أصبح ميثاق اتحاد دول جنوب شرق آسيا (آسيان) نافذ المفعول اعتباراً من 15 كانون الأول (ديسمبر) من عام 2008. ويهدف هذا الميثاق إلى أن يكون إطار عمل للتعاون الإقليمي القائم على قواعد معينة. ويرى المؤيدون أن بداية تطبيق هذا الميثاق تمثل نقطة تحول مهمة في حياة آسيان لاستبدال ما يطلق عليه ''طريقة آسيان'' بهيكل قانوني أفضل. وتم النظر كذلك إلى هذا الميثاق على أساس أنه علامة على نضج الآسيان، بحيث أصبح مؤسسة إقليمية تطبق القواعد الأساسية التي تتم مراعاتها على صعيد المؤسسات الدولية. والأهم من ذلك أنه ينظر إلى تفعيل ميثاق الآسيان على أساس أنه خطوة حيوية في سبيل التحرك نحو تشكيل التجمعات لتحقيق أهداف هذا الاتحاد بحلول عام 2015.
ظلت ''طريقة الآسيان'' هي أسلوب التعامل السائد بين دول هذا الاتحاد في محاولات تحقيق التعاون بينها، وذلك منذ تأسيسه في عام 1967. وقد سعت النخب الآسيوية طوال السنوات الماضية إلى تمييز نفسها عن النخب الغربية، من خلال العمل على ترسيخ ثقافتها الخاصة بها، أي تلك التي تقوم أساساً على أفكار التشاور، وعدم الرسمية، وعدم التدخل، والتوافق، والتراضي. وإن الإعلانات الصادرة عن هذا الاتحاد ليست ملزمة، حيث يعود التنفيذ إلى وجهة نظر كل من دوله على حدة. وظلت هذه الأفكار هي المهيمنة على هذا الاتحاد، رغم المحاولات الجادة لإدخال تعديلات عليها من خلال ما يطلق عليه ''التفاعل المعزز''، ومعادلة أخرى ذات علاقة بتقليص تلك الأفكار التقليدية.
كيف سيغير الميثاق بعد سريان مفعوله مهام اتحاد الآسيان؟ الواقع أن أثر هذا الميثاق في الثقافة السياسية السائدة في دوله، يمكن إهماله، حيث إنه لا يمثل حاضنة قوية لأفكار جديدة، كما أنه لا يركز على الشؤون التي تهم شعوب دوله. وقد فشل الميثاق في أن يحمل صفة التقدمية. وبينما سعت مقترحات متعددة من جانب ''مجموعة الأشخاص المهمين'' إلى زيادة السلطات الممنوحة لاتحاد الآسيان، عبر عدد من المبادرات المتلاحقة، فإن النتائج الخاصة بكل ذلك لم تر النور حتى يومنا هذا.
وكانت هنالك عدة اقتراحات محددة فيما يخص عملية اتخاذ القرارات، وكذلك ما يتعلق بالمساءلة، والمحاسبة. وحتى يصبح هذا الميثاق فعالاً، فإنه دعا إلى مراعاة التقيد بما ورد فيه من قواعد، على اعتبار أن ذلك يمثل فكرة عملية رئيسية.
وقد اتسم اتحاد الآسيان بضعف خاص فيما يتعلق بأخذ دوله الأعضاء أموره على محمل كاف من الجد. وقد رأت مجموعة الأشخاص المهمين أن ذلك يمثل مشكلة صعبة، ولذلك دعت إلى قاعدة يتم العمل بموجبها بالتصويت، بحيث تحصل القرارات المهمة على ثلثي، أو ثلاثة أرباع الأصوات، اعتماداً على كل حالة على حدة. وهنالك كذلك نصوص تدعو إلى تعليق عضوية بعض الدول في ظروف خاصة، وكذلك إنزال عقوبات بتلك الدول التي تفشل في تنفيذ الالتزامات التي توقع عليها ضمن قواعد عمل هذا الاتحاد. ولم يعكس الميثاق أي من هذه التوصيات المهمة. ولم يكن ذلك بالأمر المفاجئ على الإطلاق، بما أن هذه المنطقة من العالم تضم طيفاً واسعاً من الأنظمة السياسية التي تتراوح بين أنظمة الحكم العسكري، والدول ذات الأنظمة الديمقراطية.
لا يزال السعي إلى تحقيق التوافق والتراضي هو السائد بين القواعد التي يضمها ميثاق اتحاد الآسيان، وذلك فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرارات. وإذا لم يتمكن الحضور من الوصول إلى التوافق المطلوب، فإن المادة رقم 20 من ميثاق اتحاد الآسيان تنص ''على أن يتخذ القرار زعماء الدول بأنفسهم''. وينطبق الأمر ذاته كذلك على الأمور ذات العلاقة بالتقيد، والامتثال.
وتضع المادتان 26، و27، المسؤولية على قمة دول الآسيان لكي تقرر حول الأمور التي تخفق فيها الدول بالتقيد بقرارات الاتحاد، وكذلك ما يخص آليات التوصل إلى تسويات للنزاعات التي يمكن أن تنشأ بين دول الاتحاد. ونظراً لعدم وجود تعريف واضح لكيفية حل النزاعات، فإن المرء يمكن أن يتوقع أن يصبح الأمر السائد هو ما يسمى ''طريقة الآسيان''. وبالتالي، فإن الخلافات يمكن أن يؤجل البحث في حلها إلى تاريخ لاحق، أو أن تتم مناقشتها بهدوء ضمن إطار دبلوماسية خلفية خاصة.
ونظراً لعدم تحديد العواقب بصورة محددة، ودقيقة، فقد خسر الميثاق أصالته كوثيقة رئيسية في تعزيز الشخصية القانونية لمنظمة الآسيان. ومن دون مواد مهمة ذات علاقة بذلك، فإنه لا يتوافر ضمان بأن الدول الأعضاء سوف تأخذ مسؤولياتها بدرجة مقبولة من الجدية. والحقيقة هي أنه إذا طرحنا العقوبات من القواعد، فإننا سوف نحصل على ''طريقة الآسيان'' لتكون هي الطريقة المعتمدة للعمل، كما هي العادة.
أما فيما يتعلق بالميثاق نفسه، فإنه يظل أقرب إلى الوضع المقلوب رأساً على عقب. ويعود الوضع إلى عام 2004 خلال اجتماع لهذا الاتحاد قبل الشروع في صياغة مواد وبنود هذا الميثاق. وكان رئيس وزراء ماليزيا في ذلك الوقت، عبد الله أحمد بدوي، قد دعا إلى إدخال مزيد من المواد لتضم شؤون حركات المجتمع المدني في العملية التشريعية والقانونية، الخاصة بالآسيان.
وكانت اللجنة الخاصة بالمتابعة غامضة تماماً فيما يتعلق بالمقترحات ذات العلاقة بذلك. وقد أوصت اللجنة في اجتماع لها في عام 2007 بإيجاد قنوات للتشاور المنتظم مع قطاعات النشاط العملي، والمجتمع المدني، ومجموعات حقوق الإنسان. غير أن المادة رقم 15 هي وحدها هي التي تتطرق إلى مثل هذه الأمور، وإن كان ذلك بصورة مختصرة.
ومن الناحية العملية، فإنها تسلم مثل هذه الأمور إلى مؤسسة الآسيان. ومن الواضح أن هذا الميثاق يتضمن المزيد من التأكيد على التعاون بين الحكومات والدول، بدلاً من التعاون بين شعوبها. ويعكس الميثاق ما تقول النخب إنه أفضل شيء لهذه الشعوب.
لاحظت مؤسسات المجتمع المدني الكثير من العيوب في هذا الميثاق. وكانت مجموعة العمل الخاصة باتحاد دعم الشعوب، قاسية في انتقاداتها لهذا الميثاق. ويعود معظم السبب في ذلك إلى أنها رأت أن الجهود التي تم بذلها لمأسسة دور المواطنين ومنظمات المجتمع المدني، في هذا الشأن كانت ضعيفة، وغير مركزة.
وتريد هذه المجموعة وجود مزيد من الوثائق الشاملة التي تلقي الضوء على العمليات الخاصة بالقضاء على الفقر، وإنهاء عدم العدالة الاجتماعية. وقد تولت منظمات المجتمع المدني اقتراح نص لميثاق آسيوي بديل يعمل على تحقيق المصالح الفعلية لشعوب المنطقة، وذلك خلال المؤتمر الثالث لمنظمات المجتمع المدني في دول الآسيان الذي عقد في سنغافورة في عام 2007. وعلى الرغم من أنه لا يستهدف أن يكون بديلاً لميثاق الآسيان، فإنه يمكن أن يكون مرجعاً استشارياً لمراجعة بنود ذلك الميثاق المقررة في عام 2013.
أياً كانت النوايا الحسنة لدى زعماء الآسيان، فإن هذا الميثاق يعكس تماماً الممارسات التقليدية في المنطقة، إضافة إلى أنه يفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لعملية الإصلاح على الصعيد الإقليمي. ومن الطبيعي أن تكون لذلك عدة مضامين وتأثيرات. ولعل أولها هو المعنى العملي القليل الذي يمكن استنباطه ممّا يبدو من شخصية قانونية متعلقة بهذا الميثاق.
وسيظل اتحاد الآسيان مجرد منظمة بيروقراطية، طالما أن عناصر القوة متركزة في أيدي الدول فرادى، بالإضافة إلى أن أمانة المؤتمر ما هي إلا جهة إدارية فقط.
أما الأمر الثاني، فإن الفشل في إضافة أفكار جديدة لتعزيز الآسيان سيعمل على زيادة الفجوة التنموية بين دول هذا الاتحاد، كما سيزيد من صعوبة تجاوز التحديات التي تمثلها المنافسة الدولية.
أما الأمر الثالث، فهو متعلق بالأولوية المتأخرة المعطاة لأهمية المساهمة في دعم الاتحاد، الأمر الذي سيحبط عملية تحقيق الأهداف الخاصة بإقامة سوق مشتركة لدول الآسيان. ومن شأن ذلك أيضاً أن يؤخر تشكيل الهوية الخارجية لهذا الاتحاد. ورابعاً، وأخيراً فإن دور الاتحاد في تعزيز التعاون الخارجي لدوله لن يتعزز في ظل هذه الظروف. والأسوأ من كل ذلك، هو أن الآسيان يمكن أن يواجه صعوبات في إقناع أقاليم أخرى بأنه نموذج تعاون يصلح لاتباعه.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر Opinion Asia
