أحجية! ربما تفسر هذه على أفضل شكل سياسة الهند نحو إيران، فصانعو السياسة والباحثون على حد سواء واقعون في شبكة من المصالح والتصورات والقرارات المتنافسة، وبينما تحظى فكرة علاقات وثيقة للهند مع إيران بتأييد واسع النطاق داخل البلاد، فإن هذه المشاعر يرافقها في أغلب الأحيان تمنيات أو فقدان ذاكرة مؤقت أو أسوأ من ذلك: عمى استراتيجي.
إن أهمية الهند داخل منطقة (الخليج الفارسي) والشرق الأوسط الأوسع أهمية لا شك فيها، فبفضل مساحتها وتراثها التاريخي ومواردها الطبيعية تظل إيران البلد الوحيد الذي يملك كل المزايا الرئيسية لقوة إقليمية. وكما بينت الأحداث في منطقة الخليج وفي لبنان أيضاً، فإن امتدادها ونفوذها يتجاوزان حدودها المباشرة.
توفر إيران حوافز إضافية معينة للهند، فالقرب الجيوستراتيجي والعلاقة التاريخية وسكان مسلمون شيعة والمصلحة السياسية المتقاربة والحسابات الأمنية مقابل باكستانـ، كل هذه تقرب بين البلدين بشكل طبيعي، وبينما تسهم طاقتها النفطية في تقدم الاقتصاد فإن واردات الهند من الهيدروكربون تزداد بسرعة، وهذا يجعل إيران شريكاً وثيقاً في أمن الطاقة، وخلال زيارة الرئيس محمد خاتمي في كانون الثاني (يناير) 2003 حدّد البلدان التعاون في الهيدروكربون كهدف استراتيجي رئيسي، وإضافة إلى ذلك، وخلال رئاسة جورج دبليو بوش، أضافت الأحزاب الشيوعية في الهند مبرراً آخر لعلاقات هندية إيرانية متنامية: زميل شريك في الخطابة المناهضة لأمريكا.
وكما يحدث مع معظم العلاقات الثنائية، فإن العلاقات الهندية الإيرانية ليست دون منغصات، فأنصار العلاقات الأوثق يختارون في أغلب الأحيان أن يتجاهلوا عيوب تعاون أوثق، وبذلك يلومون نيودلهي إزاء ''الجمود'' الأخير في العلاقات. وقد تم الاستشهاد بقرار الهند ضد إيران في أيلول (سبتمبر) 2005 في الوكالة الدولية للطاقة الذرية كسبب رئيسي للتوجه المتراجع وبكلمات معلق استراتيجي مرتبط بمؤسسة فكرية تمولها الدولة فإن ''العلاقات الثنائية مدمرة'' ويعود معظم هذا إلى سلبيات الهند وبالنسبة للآخرين، فإن الرغبة الهندية المكتشفة حديثا في مصادقة واشنطن هي المتهم، وهناك آخرون أقل تلطفا يلومون العلاقات الهندية الإسرائيلية المتنامية إزاء الوضع الحالي للأمور مع إيران.
من الواضح أن الهند أساءت التصويت في وكالة الطاقة الذرية الدولية. وحتى أثناء التصويت مع واشنطن، فإنها تظاهرت بأنها تنحاز إلى جانب طهران. وفشلت في صياغة مصالحها ومخاوفها فيما يتعلق بالشكوك الدولية المتنامية تجاه الطموحات النووية لإيران. وعلى أية حال، فإن هذه الإساءة في المعالجة الدبلوماسية لا تخفي بعضاً من مخاوف الهند الأساسية فيما يتعلق بإيران.
فيما يتعلق بالملف النووي، فإن لإيران عددا قليلا من الأصدقاء. وحتى الأصدقاء المعتدلون مثل الصين وروسيا، فإنهم طالما توقفوا عن دعم موقف إيران. ومنذ شهر شباط (فبراير) 2006، فإن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تبنى خمسة قرارات بشأن برنامج إيران النووي المشتبه به، وفي جميع المناسبات، فإن الصين وروسيا صوتتا ضد إيران. وفيما عدا الدعم المقدم من إندونيسيا وقطر في بعض الأحيان، فإن ثلاثة من أصل خمسة قرارات تم تبنيها بهامش 15 إلى صفر. وحتى تلك البلدان التي تدعم حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فإن لديها شكوكا متبقية بشأن برنامجها النووي. وفي الواقع الملموس، بناءً على ذلك، فإن الهند لم تكن بمفردها على الجبهة النووية، وتم التعبير عن مخاوفها من خلال تصويتها مرتين في وكالة الطاقة الذرية الدولية في أيلول (سبتمبر) 2005، وشباط (فبراير) 2006 كانا مبررين بإجراءات لاحقة اتخذها مجلس الأمن الدولي.
بالمثل، فإن الجراح الملتهبة من تلقاء ذاتها قوضت الحجة الإيرانية على جبهة الطاقة. وإذا لم تكن المشكلات التكنولوجية، والضغوط الأمريكية كافية، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار النفط، فإن طهران سعت إلى إعادة التفاوض بشأن سعر صفقتها بشأن الغاز الطبيعي المسال مع الهند. ولا يتعلق أمن الطاقة بالأسعار التي يمكن دفعها فقط، وإنما بشأن موثوقية التوريد فضلاً عن ذلك. وبينما علقت الصفقة الإيرانية في اتفاقية التسعير، وافقت قطر على توريد 2.5 مليون طن قياسي من الغاز الطبيعي المسال إلى الهند، زيادة على مستوى التزاماتها الحالية البالغة خمسة ملايين طن.
في الآونة الأخيرة، وبفضل رئيسها الزئبقي، أثارت إيران المزيد من الصور السلبية وليس الإيجابية. وإذا سعى سلفه خاتمي إلى إجراء حوار مع الحضارات، فإن الرئيس أحمدي نجاد سيأخذ أكثر من نصيبه من اهتمام وسائل الإعلام للأسباب الخاطئة. وحتى النخبة الإيرانية تشكك في رفضه الصريح للمحرقة اليهودية، والخطابة المتكررة المناهضة لإسرائيل. وأقلقت التصريحات المعادية من جانب زملائه عديدا من جيرانه العرب. ويخشى عديد من الحكام العرب بالمثل من المخططات الإيرانية في العراق في حالة الانسحاب الكامل للأمريكيين.
لهذه المخاوف العربية بطبيعة الحال أثارها في الكيفية التي تنظر بها الهند إلى إيران. ومن حيث المصالح السياسية، والاقتصادية، والثقافية، فضلاً عن مصالح الطاقة، فإن بلدان الخليج العربية أهم بكثير للهند من إيران بمفردها. وينسى في الغالب الأشخاص الذي يتحدثون عن هجرة العمالة الهندية إلى المنطقة أنها ماثلة في بلدان الخليج العربي وليس في إيران. وفي حين أنها لا ترغب في أن تكون طرفاً في أي توتر بين إيران وجيرانها العرب، فلا يمكن للهند أن تتجاهل أهمية العامل العربي عند التعامل مع إيران.
وإذا ساءت الأمور، فبإمكان الهند أن تتجاوز المخاوف الأمريكية والإسرائيلية فيما يتعلق بإيران، ولكن لن يكون لديها على الأرجح الترف ذاته في التعامل مع الدول العربية. وأي تقييم للسياسة الهندية تجاه إيران مجردة من مخاوفها ومصالحها في العالم العربي الأوسع نطاقاً سيكون مضللاً بناءً على ذلك، وغير تام.
خاص «الاقتصادية» حقوق النشر: Opinion Asia
