الذين ندبوا أنفسهم لمحاسبتنا والحكم علينا يمثلون ظاهرة عجيبة في التاريخ الإسلامي .. فهم ليسوا أنبياء ولا أئمة ولا دعاة ولا قضاة وهم في الأغلب لم يفهموا من الدين إلا مظاهره وشكلياته .. ولو فقهوا أو تفقهوا في تشريعاته لأدركوا أنه دين تسامح أكثر بكثير مما يعرفون أو يتصرفون.
الدين الإسلامي يفرق بوضوح بين الملائكة والبشر .. وبين مجتمع الملائكة ومجتمع البشر, وبين واجبات الملائكة وواجبات البشر فلا يخلط بين هؤلاء وهؤلاء .. ولا يطالب الملائكة بأن يكونوا بشرا ولا يطلب من البشر أن يكونوا ملائكة.
الملائكة مجتمع بلا أخطاء تهيم في فلك يسبحون في عبادة الخالق العظيم .. بينما المجتمع البشري بحكم طبيعة البشر وغرائزهم ومطالبهم وشهواتهم ورغباتهم وتصارعهم محكوم عليه بالخطأ .. ولاعصمة إلا لنبي.
ويعرف الدين ويعترف أن هؤلاء البشر خطاؤون وأن حساب الخاطئ عند الله - سبحانه وتعالى - ولا أحد يستطيع أن يحكم بمن سيدخل الجنة ومن سيدخل النار لأن ذلك من علم الله ـ سبحانه وتعالى.
ويقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ''قد يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها شبر فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار .. وقد يعمل أحدكم بعمل أهل النار حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا شبر عمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة .. القرار الوحيد والمقرر الوحيد هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ فهل يعلم هؤلاء مسبقا أهل الجنة وأهل النار؟!
إذن فهؤلاء الذين لم يكلفهم أحد أن يحاسبوا الناس على الأرض إنما يدعون لأنفسهم ما ليس من حقهم .. بل إنهم ـ فيما أظن ـ مجموعة من الشبان أنصاف المتعلمين وربما من الجهلة ربط الجهل على عقولهم وقلوبهم فصعدوا إلى منصات الدعاة والقضاة وقضوا بما قضوا به من قتل الأبرياء وترويع الآمنين وتأليب القوى العظمى علينا حتى أصبحت هدفا للغزوات وساحات للقتال .. فماذا أخذنا من هؤلاء إلا الخراب والدمار؟
نحن لسنا ملائكة ..وعند الله ـ سبحانه وتعالىـ حسابنا فلماذا يستبق هؤلاء الحساب قبل الحساب .. لا إله إلا الله!
