أكثر المشكلات تداولا في الأوساط الاجتماعية وعلى مستوى التناول الصحافي, هي مشكلات الإدارة. هنالك ما يُشبه الاتفاق على أن الدولة وفرت كل شيء عبر موازنات مختلف الوزارات الضخمة.. لكن تظل في المقابل العوائق الإدارية تتفاقم يوما بعد آخر، الجميع يشكو من سيطرة الروتين الممل, ومن البيروقراطية، ونمط الإجراءات بسبب ودون سبب، ولو بحثنا عن الأسباب الحقيقية لهذا الواقع, لوجدنا أن الإدارة, والإدارة وحدها, هي التي تقف خلف هذا التعثر، ما يتسبب بالنتيجة في ضياع كثير من الفرص والهدر الاقتصادي وتعطيل مصالح الناس.
هنالك مديرون عامون لا يفعلون شيئا أكثر من إحالة المعاملات إلى موظفيهم مذيلة بعبارة (حسب النظام), سواء كان هنالك نظام يحكم هذه الحالة أو لم يكن، وهنالك آخرون يُصرون على إجراءات شكلية تجعل التواقيع والقيود مرتكز العمل الإداري، بمعنى أن هنالك مديرين لا يمتلكون الحد الأدنى من الفكر الإداري, فضلا عن أن يسهموا في تطويره, وهذا ما أدّى بالنتيجة إلى تضخم العمل الإداري وزيادة تفريعاته، وتحويله من أداة خدمة إلى هدف بحد ذاته.
في حين أن ما يجب أن نعيه أن الفكر الإداري لا يتأتى بالخبرة، ولا بتراكم الترقية، ولا بالمؤهل الأكاديمي العالي .. لأنه زيادة على أنه علم قائم بذاته, فهو قبل هذا موهبة فطرية .. لنتأمل بعض الأطفال في لهوهم سنجد أن من بينهم طفلا ما قد لا يكون أكبرهم سنا، ولا أكثرهم وعيا، هو الذي يحرك اللعب ويوجه بوصلته .. هذا الطفل كما يعرف المهتمون بتنمية الفكر الإداري, يمتلك حسا إداريا فطريا أو كاريزما خاصة تمنحه القدرة على تحريك المجموعة, ليس بالقوة ولا بالحيلة, وإنما بالقدرة على الاستنهاض والابتكار والخروج من التنميطات التي تسوق الملل إلى ما يستعيد محرضات النشاط ويضعها في سياق اللعب .
نريد أن نقول: إن القيادة الإدارية لا تستولد وإنما تولد, ويُمكن بعدئذ تدريبها وصقلها وتعليمها لتصبح في المحصلة قيادة حقيقية قادرة على أخذ العمل الذي تتولاه من إطار الأنماط التقليدية إلى ساحة الابتكار الواسعة وتحمّل المسؤولية، وبأقل التكاليف، بحيث لا ينحصر العمل الإداري في ضبط سلسلة الإجراءات حتى إن دخل الحاسب في محتواها، وإنما يتسع ليذهب إلى المنتج الحقيقي من هذا العمل، وحجمه وقيمته والزمن الذي استغرقه.
وبسبب ندرة هذا النوع من القيادات الإدارية التي تتصدى لقطاع الخدمات تحديدا، قد لا يكون من المدهش أو المثير أن نكتشف أغرب ثقافة إدارية يمكن أن يصلها أي فكر إداري مهما كان حجم تخلفه، وهي ثقافة إحصاء المعاملات كمؤشر على قيمة عمل هذه الإدارة أو تلك، ولعلنا نقرأ في الصحف من حين إلى آخر أن عدد المراجعين للعيادات الخارجية مثلا في المستشفى الفلاني بلغ كذا بالآلاف في شهر واحد .. هذا ليس معيار إنجاز, وإنما معيار غياب وضعف للطب الوقائي على المستوى الوطني، أو أن عدد حوادث السير التي باشرتها إدارة المرور في شهر كذا قد بلغ عشرات الآلاف .. هذا أيضا ليس معيار نشاط إدارة المرور، وإنما هو مؤشر على ضعف التربية المرورية التي يتبناها المجتمع.
ثقافة الإحصاء السلبي دائما هي نتيجة فشل جهة أخرى, وليست دليل عافية وقدرة إدارية .. لهذا ما لم نتمكن من البحث والتفتيش عمّن يمتلكون الكاريزما الإدارية، ونعهد بهم إلى (معاهد متخصصة لإعداد القادة الإداريين)، ونضخهم في مفاصل العمل الإداري، فلن نصل إلى تطوير واقعنا الإداري المثقل بالهموم والقيود والمعاريض والملفات والطوابير .. نحن الآن في زمن استثمار الوقت حتى نفرز مكتسباتنا ونكمل ما فاتنا وينقصنا مما وصل إليه العلم المتقدم، والإدارة بحسب النظام أو الإدارة بالتواقيع, ما عادت تلائم روح العصر واستحقاقاته .. لذلك نحن مطالبون بتحرير إدارتنا من الفكر الإداري النمطي، إلى الإدارة بالوعي التي تستطيع أن تأخذ من هذا الجيش من الموظفين في مختلف القطاعات أفضل ما لديهم لمصلحة الوطن وتنميته وخدمة المواطن.
