قلة قليلة سوف تبكي عليك بحرقة عندما تغادر هذه الدنيا، وسوف يتوافد المعزون للمواساة، ثم يسود النسيان. غبتُ عن الرياض شهرا، ثم زرت المقبرة التي تضم جسد ابنتي لينا يرحمها الله، وتفاجأت بتمدد المساحات التي تم شغلها بالموتى. يحل الموت فجأة دون مقدمات، يأخذ في طريقه صغارا وكبارا، نساء ورجالا، أصحاء ومرضى، فقراء وأغنياء، سعداء وتعساء،... قاعدة الموت والحياة، تحكمها إرادة الله سبحانه وتعالى، لا إرادة البشر، كم من المرضى الذين يتوقع ذووهم أن يرحلوا في أي لحظة، ولكن الله يمد في أعمارهم ويأخذ أرواح بعض من يعتنون بهم قبلهم.
لا أريد هنا أن أتقمص دور الواعظ، لكنني أتساءل، إذا كنا جميعا نعلم أن الموت نهاية كل حي، فلماذا هذا التهالك الشديد على تمني ما ليس لنا من أموال أو حقوق؟ مقابر الرياض استقبلت خلال ستة أشهر فقط 2794 جثة.
الوقوف على حافة قبر مفتوح، تشيع في النفس تساؤلات ورؤى أقلها أن يتساءل المرء عن المعنى الحقيقي للدين. هذا المعنى الذي يضع حقوق الآخرين في مرتبة عالية، فالله سبحانه وتعالى يغفر للمرء ما لم يشرك، ورحمة ربك تسع عباده أجمعين. لكن تبقى مسألة حقوق العباد معلقة برقاب الناس، ويتم الاقتصاص من الناس للناس. هذه المعاني من الضروري أن تدفعنا إلى توخي البعد عن الاستقواء والظلم، سواء كان هذا الاستقواء على عاملة منزلية أو سائق أو على زميل أو صديق أو أخ أو أب أو أم... إلخ.
