وصلت مطار دبي قادما من وجهة بعيدة بـ ''طيران الإمارات'' وكنت مرهقاً من طول السفر وعلى موعد مع رحلة أخرى على ''الخطوط السعودية'' للرياض خلال ساعتين, وعند دخولي مبنى المطار كنت أبحث في اللوحات الإرشادية عن وجهة المواصلين, وكان هناك معلق كبير يؤشر للداخلين من بوابة السفر باتجاه كاونترات المواصلين فسرت باتجاهه وبعد مسيرة في ممر طويل يزيد على 500 متر ونزول وطلوع بلغت كاونترات المواصلين, وبعد السؤال أكتشف أن ذلك مخصص فقط للمواصلين على ''طيران الإمارات'', وأن المواصلين على شركات الطيران الأخرى في الاتجاه المعاكس لمسيري من البوابة, لم أكن مسرورا بهذه المفاجأة .
إن من وضع المعلق الكبير أمام الداخلين من بوابة السفر هو موظف في شركة طيران الإمارات وكان يهدف إلى خدمة المواصلين على ''طيران الإمارات'' ولكن بفعله هذا ضلل غيرهم وليس في اللوحات الإرشادية الخاصة بالمطار من يشير لغير ذلك, الموظف الذي وضع المعلق المضلل لم يستشعر مسؤولية قانونية تجاه تصرفه, ولم يستشعر مسؤولية أدبية تجاه تضليل ركاب شركات الطيران الأخرى, هذا الأمر سائد في وسطنا فهناك غياب بالشعور بالمسؤولية تجاه ضعف الإرشاد. إرشادات الطرق غير واضحة وسيئة الصيانة وكذلك إرشادات المرور والمباني الحكومية والمدارس التي ينعدم في كثير منها الإرشاد فما سبيل للوصول للغاية إلا بسؤال المراجعين والموظفين وبعد عناء وكذلك الحال في تتبع الإجراءات التي تتغير متطلباتها بصورة متكررة, الإرشاد في المصانع والمعامل والورش شبه معدوم وخصوصاً ما يستلزم العلم للوقاية من الأخطار, فكثير من الحوادث المميتة تقع نتيجة غياب الإرشاد ناهيك عن تلك التي يترتب عليها خسائر مادية.
الإرشاد من سمات الأمم المتحضرة فتجده في اللوحات الإرشادية في الشوارع والمباني والمرافق وتجده في التحذير من المخاطر حول الأماكن غير الآمنة وتجده في التعليمات الخاصة بإجراءات الحصول على المنافع والخدمات وتعليمات استخدام المعدات والأدوات والأجهزة وتنفق تلك المجتمعات المتحضرة مبالغ طائلة في سبيل وضع الإرشادات وصيانتها والتعريف بها وتضع القوانين التي تلزم وضعها وحسن تبيينها للناس وتفرض الغرامات لمن يخالفها أو يزيلها من مكانها وتحمّل من لا يتقيد بها تبعات الخسائر التي تترتب على غيابها فعندما كنت طالبا في أمريكا في سبعينيات القرن الماضي حدث أن تجاوزت علامة الوقوف عند أحد التقاطعات فتبعني الشرطي وأوقفني وعندما حرر لي مخالفة السير طلب مني أن أمضي على قبول المخالفة أو الاعتراض وبالتالي ستحال للمحكمة التي ستحدد لي موعد المثول وتبرير موقفي من المخالفة فاخترت الاعتراض وبعد أسبوع أتاني خطاب يحدد موعد الجلسة فمثلت أمام القاضي في الموعد وسألني إن كنت قد تجاوزت علامة الوقوف, فقلت نعم, فقال لم إذا اعتراضك على المخالفة, فقلت - وكنت قد راجعت قبل مثولي قانون السير في الولاية – إن علامة الوقوف لم تكن واضحة لي بمسافة كافية, فقال: هل أنت متأكد من أنها لم تكن واضحة قبل بلوغها بمسافة لا تقل عن 200 ياردة؟ فقلت نعم. فطلب من كاتب المحكمة أن يتصل بمكتب الشريف ويطلب منهم التأكد من ذلك وطلب مني التريث قليلاً وبعد برهة نادى القاضي علي فمثلت ومثل الشرطي الذي أوقفني أمام القاضي: وقال القاضي لقد تأكدت من أن العلامة لم تكن واضحة للسائق ضمن المسافة القانونية لذا تسقط الدعوى وتغرم البلدية 200 دولار وتتحمل قص الأشجار التي كانت تحجب العلامة. هكذا يتم التعامل مع غياب الإرشاد أو ضعفه .
إن سبب ضعف الإرشاد لدينا هو كون الإرشاد عملا طوعيا فهو جزء من مواصفات الطرق وخدمات البلدية ومبادرة من القطاعات الأخرى, فليس هناك مسؤولية قانونية تلحق من يهمل الإرشاد أو يضلل الناس أو يتعدى على اللوحات الإرشادية . لذا لا بد أن يكون هناك جهاز مركزي يتحمل مسؤولية وضع صيغ الإرشاد ومتابعة تنفيذها والعمل بها وصيانتها وربما يكون من الملائم أن تناط هذه المسؤولية بوزارة الداخلية ويكون على مجلس الشورى المبادرة بصياغة نظام يلزم الإرشاد ويحمل تبعات مخالفته .
