الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 16 مايو 2026 | 29 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

الكفاءة قبل توفير التكاليف

سعود بن هاشم جليدان
الأربعاء 9 سبتمبر 2009 0:56

تشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في عام 1427 هـ إلى وجود نحو 46 ألف طبيب في المملكة، وهو ما يعني أن كل 520 نسمة يتمتعون بخدمات طبيب (طبيبة) واحد. ونسبة الأطباء إلى عدد السكان في المملكة تضع المملكة في أواسط دول العالم وهي ليست سيئة ولكنها ليست المثلى. وقد تعد متدنية مقارنةً بالدول الموفرة لرعاية طبية جيدة، حيث ينخفض في هذه الدول عدد الأشخاص الذي يخدمهم طبيب واحد إلى نحو 200 نسمة وفي حالات قليلة جداً مثل كوبا ينخفض إلى ما دون 200 نسمة. وتوفر كوبا خدمات صحية جيدة مع كون ناتجها القومي للفرد منخفض.

وتظهر بيانات المؤشرات الصحية في المملكة أن هناك ضرورة لرفع أحجام الموارد البشرية العاملة في القطاعات الصحية، ولكن هذه المؤشرات لا تظهر كفاءة ومهارة الموارد البشرية والتي من الضروري أيضاً رفع مستوياتها. وقد أدى انخفاض مخرجات الجامعات الوطنية من الطاقات البشرية الطبية والرغبة في تسريع تأهيل الطاقات الوطنية إلى ابتعاث أعداد كبيرة من الطلبة والأيادي الوطنية العاملة في القطاعات الصحية وحديثي التخرج في التخصصات الطبية. ولا يخفى على أحد أن رفع مهارات الأطباء يستدعي الكثير من الوقت والجهد والمال من قبل المتدربين ومن قبل الجهات التي تبتعثهم. وقد ركزت برامج الابتعاث الأخيرة التي تدعمها الدولة على برامج الدراسات الطبية لسد العجز في الموارد البشرية المحلية الطبية ولرفع نوعية الرعاية الصحية. وتحتاج المملكة خلال السنوات القادمة إلى ما لا يقل عن 100 ألف طبيب (وطبيبة)، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية وإحلال الأيادي الوطنية محل الأطقم الأجنبية. كما تحتاج إلى مئات الآلاف من الممرضات وباقي التخصصات الصحية المساندة. وتهدف برنامج ابتعاث التخصصات الطبية أيضاً إلى رفع نوعية الأيادي العاملة الوطنية لتوفير مستويات رعاية طبية راقية والحد من الأخطاء الطبية الفادحة التي تنتشر بشكل واسع في المؤسسات الصحية الخاصة والعامة. ومع أن تأهيل العمالة الصحية الوطنية يتطلب جهود كبيرة ومبالغ طائلة ولكنه يوفر فرص عمل جيدة مرتفعة الدخل للعمالة الوطنية. وترتفع ضرورة توطين المهن الصحية مع أهمية تراكم الخبرات الطبية المجمعة من ممارستها، والتي تؤدي إلى ارتفاع مستوى الخدمات الصحية على الأمد الطويل.ونظراً لوجود فجوة كبيرة في الأيادي الوطنية العاملة في التخصصات الطبية ولأن تأهيل العاملين في المجالات الصحية وخصوصاً الأطباء يستغرق وقتاً طويلاً، فإن المملكة استقدمت وستستقدم أعدادا كبيرة من الأطباء والممرضات والفنيين من خارج الحدود. وتجوب بعثات وزارة الصحة والقطاع الصحي الخاص أرجاء المعمورة بحثاً عن الأطباء وعن الكوادر الطبية المساعدة مثل الممرضات وفنيي الأجهزة الطبية والمختبرات والأشعة. ورغم تدني مستويات الرعاية الصحية في بعض الدول وتدني مهارات بعض الأطباء والكوادر الطبية المستقدمة منها، فإن ممثلي وزارة الصحة والقطاع الطبي الخاص تستقدمهم بحثاً عن خفض التكاليف للقطاع الحكومي وتعظيم الأرباح للقطاع الخاص. ولا يدرك العاملون على التعاقد أن استقدام الكوادر الطبية منخفضة التكاليف في القطاع الحكومي والخاص يعني في 99 في المائة من الحالات انخفاض المهارات والإنتاجية. والتركيز على استقدام الكوادر الطبية منخفضة ألأجور يتسبب في النهاية في رفع تكاليف الرعاية الصحية، فالأجور الأقل تعني مهارات أقل وتدني في مستويات الرعاية الصحية وارتفاع مستويات المصاعب الصحية التي يتعرض لها السكان واضطرار الدولة والأفراد إلى إنفاق المزيد من الأموال لمعالجة قصور المؤسسات الصحية وأخطائها. وتركيز الجهات الإدارية على خفض التكاليف مؤشر على ضيق أفق الجهات المستقدمة وانخفاض قدراتها على استقطاب واختيار وتوظيف الكوادر الطبية الجيدة. فالأطقم الطبية منخفضة المهارة تسبب من المشكلات أكثر مما تفيد، وأخطاؤها أكبر من صوابها. إن انخفاض مهارات عدد كبير من العاملين في المجالات الصحية طفح بمستويات الأخطاء الطبية فوق كل معيار في المستشفيات الخاصة والعامة. ولرفع مستويات الرعاية الطبية العامة والخاصة المتوافرة حالياً لا بد من السعي لتوفير قدرات طبية أفضل والذي لن يتم دون دفع مرتبات أعلى للمتعاقدين في المجالات الصحية من أطباء وممرضات وفنيين. فالمرضى من المواطنين والمقيمين يتعرضون لمآسي ومعاناة انخفاض تأهيل كثير من العاملين في المرافق الصحية، والتي تؤثر بشكل سلبي في صحتهم ومستوى معيشتهم وتقلل بالتالي من إنتاجيتهم وسعادتهم.

إن معضلة كثير من المسؤولين والإدارات الحكومية وحتى الخاصة أنهم ما زالوا يعتقدون أن الأجور التي كانت تدفع منذ أكثر من عشرين سنة للعمالة الماهرة مثل ألأطباء المتعاقدين في المملكة قادرة على استقطاب المهارات الجيدة والمتميزة من الدول الأخرى. وعلى هؤلاء أن يدركوا أن مستويات الأجور في العالم ارتفعت كثيراً خلال العقدين أو الثلاثة الماضية بما في ذلك الدول التي تستقطب منها المملكة العمالة الماهرة. وعليه فإن رفع مستويات الخدمات الصحية يتطلب دفع أجور أعلى لاستقطاب الكفاءات الطبية القادرة على توفير خدمات طبية مرضية. ودون تحسين مستويات الأجور فلن يتم استقطاب إلا الأقل كفاءةً والأكثر أخطاءً في تقديم الخدمات الصحية، مما يعني استمرار تدني نوعية الخدمات التي تقدمها المؤسسات الصحية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية