الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

من التجديد والتصحيح والإقناع إلى الجمود والتحجير والتفسيق

حمزة بن محمد السالم
حمزة بن محمد السالم
الأربعاء 9 سبتمبر 2009 0:56

''ولا ينبغي لأحد من الناس العدول عن طريقة آل الشيخ، رحمة الله عليهم، ومخالفة ما استمروا عليه في أصول الدين؛ فإنه الصراط المستقيم، الذي مَن حاد عنه فقد سلك طريق أصحاب الجحيم. وكذلك في مسائل الأحكام والفتوى، لا ينبغي العدول عما استقاموا عليه، واستمرت عليه الفتوى منهم. فمن خالف في شيء من ذلك، واتخذ سبيلا يخالف ما كان معلومًا عندهم، ومفتىً به عندهم، ومستقرة به الفتوى بينهم، فهو أهل للإنكار عليه والرد لقوله'' (مما نقله جامع الدرر السنية في الأجوبة النجدية 14- (375 - 376) عن العلماء: حسن بن حسين، وسعد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الله بن حسن، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكل آل الشيخ في خطابهم). هذا الجزء الذي أوردته في مقالي ''في توحيد الفتوى''، هو ما دعا الشيخ الكريم حفيد إمام التوحيد للتعقيب على مقالي ''في توحيد الفتوى''. وما دعاني إلى كتابة هذه السلسلة من المقالات إلا الحب والدفاع عن هذه الدعوة المباركة من أن تُنسب (بسبب أبنائها المعاصرين) إلى التحجر والتكفير وتفسيق المخالف. وما دولة طالبان المؤمنة النزيهة إلا أمس قريب يحكي ضياع شعب ودمار بلد وأذى لحق الأمة الإسلامية كلها بسبب الجمود على منهج دعوي وفتاوى تطبيقية لعلماء عاشوا في عصر قد خلا وتغيرت ملامحه ومعطياته بالكلية حتى أصبح لا يصلح أن يُؤخذ منه إلا الأصول.

فالشيخ المُحب (حفظه الله) ما فعل في تعقيبه إلا أن أصر على ظاهر الفتوى التطبيقية دون مراعاة للظروف المحيطة بها. فهو لم يزد إلا تأكيدا واستصحابا لهذه الفتوى في حاضرنا المعاصر. فهو في رده قد اختزل دعوة الرسول وأصحابه وأهل السنة والجماعة في طريقة آل الشيخ وكذلك في رد قول من خالفهم في الفروع والإنكار عليه. فمفهوم قوله هو إن إطلاق لفظ طريقة آل الشيخ يُدخل دعوة الرسول وأصحابه ويخصصها بأهل السنة والجماعة ويُخرج ما عداها، وإلا فلا فائدة من التنصيص عليها وتخصيصها دون فرق أهل السنة والجماعة). ثم أورد الآيات المهولة التي اعتاد أئمة الدعوة إيرادها في خطاباتهم مع أهل البدع الشركية.

والعجيب أن الإصرار على تحجير الفتوى عند القرن الماضي قد دفعت كاتب التعليق - حفظه الله - إلى تجاهل سبب إيرادي لهذه الفتوى التي تحجر الدين على طريقة واحدة. فإيرادي لها كان من باب الاستشهاد بأن كل فتوى لها زمانها ومكانها ومعطياتها. فقد عقبت على الفتوى بالدفاع عنها وتوضيح ملابساتها فقلت ''وقد يرد على ما سبق أنه كان خاصا بزمن معين وأهل منطقة معينة. وهذا إيراد صحيح وفي محله ولكنه في الواقع شاهد على أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، فلا يحملن أحدٌ الناس على فتاوى زالت حيثياتها وتغيرت معطياتها'' انتهى من مقالي في توحيد الفتوى.

ومما يلاحظ على المتأخرين من أبناء الدعوة النجدية اتباعهم لمنوال ووتيرة خطابات أئمة الدعوة النجدية من التحذير من الشرك ورد الأمور إلى الكتاب والسنة وسرد الآيات المهولة (والقرآن كله عظيم) حتى ولو كان الأمر يدور حول خلاف فقهي أو اجتماعي أو عُرفي. ومما زاد الأمر إشكالا، أنهم خاطبوا الناس بما كان سلف الدعوة يخاطبون به أهل البدع الشركية، مما نشر فكر التكفير والتفسيق للغير بين العامة من البسطاء، فنفروا الناس وأخافوهم وشككوهم في دينهم وعقائدهم وعلمائهم، فلا حرمة لعالم عندهم طالما أنه مخالف لهم في منهج أو رأي. فأهل الاجتهاد عندهم هم الموافقون لهم، وأما المخالفون فهم أهل الجهل والضلال.

ومن ذلك إيراد كاتب التعقيب آيات عظيمة مهولة لا تناسب المقال كاستشهاده بقوله تعالى ''قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم يُنزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون'' فيا ربي! ما هو شاهد الآية في تعقيب على موضوع فقهي كاتبه متفق معي فيه. هل هو التهديد في مخالفة طريقة ما حتى في الفتاوى التطبيقية لأن مخالفتها فاحشة وشرك وإثم وبغي وقول على الله بلا علم! أم أن إيراد الآية هو مجرد تقليد لكتابات أئمة الدعوة دون تأمل المناسبة! وهذا من الخطأ الذي يقع فيه بعض المتأخرين اليوم من أبناء الدعوة النجدية وهو إيرادهم للآيات دون مناسبة ولا ملاءمة، والتي وردت كثيرا في كتابات أئمة الدعوة لمناسبتها للأحوال القائمة آنذاك. وهذا لا يستهان به. فإن كثرة إيراد مثل هذه الآيات العظام في أمور الخلاف الفقهي هي مدعاة لنشوء فكر التكفير والتفسيق للمخالف. والاستشهاد بالآيات لا يكون إلا في مواضعها المناسبة وليس مجرد جمع ونقل في مقال أو تعقيب دون سبب ولا موافقة. ومن ذلك قوله تعالى الذي أورده الكاتب الكريم في تعقيبه على مقالي ''في توحيد الفتوى'': (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون). انتهى. ومن المصائب إنه يغلب على العامة تبجيل المتشدد احتياطا وسدا للذريعة والتنقيص لمخالفه المحكم للكتاب والسنة رغم أن التحليل والتحريم في الذنب سواء، فالتحريم كالتحليل هو من صفات الربوبية.

وأقول هنا بمناسبة إيراد الآية السابقة في التعقيب، أوليس صاحب التفسير، الشيخ بن سعدي، هو الذي أوكل الدين والخلق للخالق في هذه المسألة (ربوية الفلوس الذي أتى به الكاتب كمثال تطبيقي في تعقيبه). أليس بن سعدي هو من اتبع الكتاب والسنة والسلف فهو إذن أقرب لهذه الآية من المخالفين الذين حكموا السياسة الشرعية والاحتياط. فعليه فإنه لا ينبغي لمقلد أو مُغلب لسياسة شرعية يعتقدها، أن يأتي فيستشهد بهذه الآية على مُسلم قد حكم وقدم نص الكتاب والسنة وجماهير السلف دون السياسات والآراء والاحتياط. فالآية هذه دليل على مُغلب السياسة والاحتياط لا له، فإيرادها هنا ( في التعقيب المذكور) ليس ملائما وهو ضعف في الحجة والمقال.

ومن المناسب هنا إيراد قول بن سعدي في هذه المسألة وتأصيلها. قال بن سعدي - رحمه الله - في التعليق على آية الربا في سورة آل عمران في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ''تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه – أولا - أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهى عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي'' انتهى. لذا فقبل التحريم أو التحليل يجب معرفة حد الشيء وما يدخل فيه وما لا يدخل، لا تقولا بالرأي وتجهيلا للمتجرد المتبع لشرع الله، وما أورد بن سعدي هذا عند تفسير آية الربا إلا من شيء وجده.

ومما أتى به كاتب التعليق الكريم قوله في التعقيب: ''فليس كل مخطئ معذورا عند الله تعالى، قال تعالى ذاماً لقوم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)''، ثم ختم بقوله ''وفي الختام أذكر نفسي والدكتور حمزة والمسلمين بقول الله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمُّ الكتاب وأُخَرُ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله). انتهى من التعقيب. فسبحان الله على من تنطبق الآية الأولى! وصدق إمام التوحيد عندما وصف هذه الحجة بالحجة الملعونة. فلا عجب، فكل يزعم أن آباءه وأجداده على حق وغيرهم على باطل. وإيراد هذه الآية والآية الثانية في التعقيب على إيرادي للفتوى المذكورة في أول هذا المقال تؤكد وتدل على تفسير الكاتب لفظيا وظاهريا للفتوى المذكورة وعلى التحجر فكل مخالف لهم ففيه زيغ ومُتبع للفتنة.

وكثرة الاستشهاد بالآيات على ما يناسبها تحتاج إلى اجتماع علم وذكاء ومنطق وإخلاص وتسديد وتوفيق في شخص واحد. وهو ما أوتيه شيخ الإسلام ابن تيمية فبرع - رحمه الله - في ذلك وحده دون الناس، ثم جاء أبناء الدعوة السلفية المعاصرة عامة يقلدون فما أحسنوا التقليد. فما أتى به شيخ الإسلام ابن تيمية غير قابل للتقليد، بل هو منهج تأصيلي رباني متكامل. هذا المنهج التأصيلي قد انتهجه إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في باب العقائد فأحيا الله به الدين وأخرج أمما من جهالة البدع والضلالات، وسن للأمة الإسلامية منهجا تأصيليا، أصبح وما زال مرجعا بينهم في الخلاف، عرف ذلك من عرفه وجهل ذلك من جهله. أسموه وهابية، وصدقوا فهو هبة وهبها الوهاب للأمة الإسلامية التي في الواقع قد تبنت جوهر الدعوة التجديدي التصحيحي في تطبيقاتها لأمور دينها بينما أضاعها أبناؤها المعاصرون بالتقليد والتفسيق والجمود والجفاء فنُسبت الدعوة ظلما لهم.

رحم الله شيخ الإسلام وإمام التوحيد ومن وافقهم وتبعهم بإحسان وجمعنا وإياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وللحديث بقية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية