محاولة الاغتيال الآثمة للأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، حادثة استفزت الجميع دون استثناء (أو هكذا يفترض). الأمر الذي لم يكن لنا منه بد إلا الكتابة وإبداء الرأي وإن كنت بعيداً جداً عن ملفات الإرهاب، وقد يكون عدم القلق والاطمئنان هو ما جعل الكثيرين منا غير مكترثين بهذا الملف. ومرد ذلك تلك النجاحات التي حققها الأمن السعودي خلال السنوات التي تلت 11 أيلول (سبتمبر)، وبالذات التفجيرات التي استهدفت المملكة منذ عام 2003م، وقبل ذلك منذ ولدت على الأقل الأمن الكامل الذي يعيشه المواطن في هذه البلاد. ومسألة أن تكون آمنا في بلدك بحد ذاتها كافية لأن تتوجس من كل ما قد يخل بهذا الأمن! فهو نعمة يحسد عليها الجميع. لذلك عندما انعقد المؤتمر الأول للأمن الفكري كتبت في حينها مقالاً مطولاً تحت عنوان '' الأمن الاقتصادي مكمل ورافد للأمن الفكري'' في 20 أيار (مايو) 2009م في هذه الجريدة، وذلك عندما رأيت أنه أغفل في أوراق عمل المؤتمر! فاللهم احفظنا بحفظك وادعم أمن واستقرار هذا البلد كما نشأنا وتربينا فيه وكل بلاد الله الواسعة، وانشر السلام في هذا الشهر الفضيل.
ومنذ إعلان محاولة الاغتيال رسمياً وما سبقها من أنباء متضاربة جعلت المرء يفكر بشكل مختلف، ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف؟ لم وصلت الأمور لهذا الحد! وفوق كل هذا، ما الذي سيحدث لنا في المستقبل مع استمرار وجود هذا النوع من الفكر؟ وفي صلب تلك الأسئلة وجدت نفسي أتذكر بعض القراءات حول عصر النهضة الأوروبية وما قبل النهضة حيث العصور الظلامية. وقلت هل علينا أن نمر بمثل ما مر به الأوربيون حتى ننهض كما يعتقد بذلك محمد أركون ومترجمه هاشم صالح وغيرهما كثير؟ كلي أمل ألا يكون هذا هو الحل الوحيد للوصول!!!
وحسب ما شاهدنا وقرأنا عن الحادثة فهي بكل بساطة وفي ظني أن ''الأمير'' كان أطيب مما ينبغي و''غلطان''! نعم ''غلطان'' ! فمن خلال المحادثة الهاتفية مع هذا المطلوب، واضح أنه لا يستحق أن يتم التعامل معه بتلك الأريحية، فلا هو صاحب فكر أو لديه ثقافة تشفع له ليحادث الأمير محمد بن نايف ويناقشه في قضايا جلل، ولا هو صاحب تجربة، حتى يعطيه ولي الأمر مثل هذا الاهتمام، وهذا الاستقبال في منزله. وفوق كل ذلك، ورغم أنه جهد يدل دلالة قطعية أن الأمير محمد بن نايف يجاهد بنفسه في سبيل نزع فتيل تلك الفتنة، إلا أننا لم نكن نتمنى أن يتعامل معه الأمير بهذا الشكل المباشر حتى وإن طلب هو ذلك. وليسمح لي الأمير بهذا القول أصلاً مجرد الطلب بهذا الشكل كان مثيراً للشك والريبة! وإن كان واضحاً تغليبه للجانب الإنساني على كل الاعتبارات الأخرى، وشتان ما بين الحديثين!
علينا أن نجاهد جهاداً كبيراً مع القيادات والمثقفين والمربين وكل أطياف المجتمع دون استثناء في نزع هذا الفكر ليس فقط من عقل معتنقيه، ولكن أيضاً ممن يستغلونه لمصالح شخصية قد تكون في معظم الأحيان بحسن نية وقد لا تكون كذلك! مسؤولية الجميع تتلخص في رفض (استغلال) الدين في كل صغيرة وكبيرة. لماذا علينا أن نضع ملصق ''حلال'' على كل ما نقوم به من وجهة نظر معينة فقط، رغم أن الشرع جاء واضحاً وقال إن الأصل في كل الأمور الحل، يعني أن هناك القليل فقط المحرم والباقي حلال. لماذا اليوم علينا أن نأخذ الموافقة على كل جزئية في حياتنا من ''علماء الدين'' حتى وإن لم يكن يفهموا ما عليهم تحليله أو تحريمه.
أعتقد أنه إن كان من أمل بعد الله في تجاوز هذا الأمر، والتفاؤل بمستقبل مشرق لنا ولأولادنا، فإنه لن يأتي إلا من تلك العائلة! أعني عائلة آل سعود المالكة والحاكمة. فلديها تجربة ثرية وطويلة وحكمة، آمل أن تكون لنا طوق نجاة من تلك الأفكار والوساوس التي أصبحت حبالها تربطنا وتجرنا إلى الخلف، فيما نحن أصلاً في ساحة سباق تتطلب منا الانعتاق والجري حتى يمكن لنا أن يكون لدينا مكان في هذا العالم شديد المنافسة والذي لا يرحم. فلا القبيلة ولا غيرها يستطيعوا بناء وطن حقيقي سواء من منطلقات دينية أو غيرها. نريد وطنا للجميع فقط لا غير. وأؤمن أنه وبقيادة هذه البلاد يمكن تحقيق ذلك إذا ما تكاتفت الجهود وعزل الذين يريدون اختطاف الأمور منا ووضع مصيرنا في أيديهم. وكون العائلة الكريمة صمام أمان هذا البلد من كل متربص وصاحب أهواء شخصية وإن كانت بلبوس مختلفة، فإنها أي العائلة المالكة مطالبة بأن تحمينا وتحمي نفسها من تلك التهديدات التي ما انفكت تؤرقنا منذ عقود، وأعتقد أن شر هذا الفكر لا يأتي فقط من كونه فكراً فقط، وإنما يأتي من كونه دخل في النسيج الاجتماعي للمجتمع السعودي خلال العقود الثلاثة الماضية بشكل ناعم وإن لم يكن خفيا على ذوي الألباب ممن حذروا من هذا الغلو منذ أواخر الثمانينيات الميلادية وإن كان ينظر إليهم على أنهم هم الخوارج في حينه، وسبحان مغير الأحوال!!! كنا على الفطرة السليمة، وكانت ممارستنا أقرب لدين ''العجائز''! لكن جاءنا من قال لنا إنه حتى هذه الفطرة فيها محرمات وفيها ما فيها من تجاوزات وعليكم كذا وكذا ، وإلا أنتم ....! لقد تغلغل فكر خاطئ منذ اليوم الأول بشكل لم تعد تلك الأفكار من منطلق دين فقط، ولكنها تحولت مع الزمن إلى قناعات اجتماعية يصعب التعامل معها اليوم بعلاج المصالحة فقط! كما أنها باتت سلاحا في تحقيق مآرب شخصية لمجموعات مصالح ولوبيات وحتى سلاح بيد الأعداء. وأقولها اليوم بصراحة. الكل أصبح يضرب على وتر الدين. التجار يضربون على وتره لتصريف بضاعتهم، والقنوات الإعلامية وهي تدرك أو لا تدرك تأثير هذه البرامج تضرب كذلك على وتر الدين لاستقطاب المشاهدين. بل حتى النصابين الذي يستغلون حاجة الناس اليوم للتمويل عبر قنوات غير نظامية يتحدثوا عن مطابقة ما يفعلون للشريعة الإسلامية!!! شاهدوا ما يلصق على الصرافات من ملصقات! فما بالك بوكالات الاستخبارات وذوي المطامع والأحقاد!
في الختام نحمد الله على سلامة الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وكلي أمل أن تكون هذه الحادثة درساً لنا جميعاً بأن هناك من لديه الاستعداد للذهاب بعيداً في هذا النفق المظلم. إن التوجه المُشاهد وطريقة حياتنا تؤيد هذا حتى وإن كنا ننتقد تلك التصرفات لفظياً وعن قناعة. علينا اتخاذ خطوات حقيقية في اتجاه خلق صورة جديدة لنا في المملكة بعيدا عن كل ما قد يكون سبباً في تأخرنا وتراجع خطوات الإصلاح. والله من وراء القصد.
