إن الانكماش الاقتصادي العالمي، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط الحاد، وتوافر رأس المال وتكلفة تمويل المشاريع الجديدة، وضعت ضغوطا كبيرة على عديد من الشركات العاملة في صناعة الطاقة بصورة عامة والصناعة النفطية بصورة خاصة. إن شركات النفط العملاقة مثل شركة النفط البريطانية، شل، إيكسون موبيل، شيفرون وتوتال الفرنسية وغيرها من الشركات العالمية العملاقة، كانت الأقل تأثرا بالأزمة الاقتصادية الحالية وانخفاض الأسعار، وذلك لموقفها المالي القوي وتوافر التمويل والسيولة النقدية لديها. لكن مع ذلك قامت هذه الشركات ببعض التخفيضات على ميزانياتها, خصوصا تلك غير الإنمائية وغير الأساسية منها. لكن على العكس من ذلك كان للأزمة الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط تداعيات كبيرة على الشركات النفطية المتوسطة والصغيرة الحجم، خصوصا شركات الاستكشاف والتطوير ذات الإمكانية المالية المحدودة أو تلك العاملة في مشاريع ذات تكلفة رأسمالية وتشغيلية عالية مثل مشاريع الرمال النفطية (رمال القار) أو مشاريع الحقول البحرية العميقة جدا.
الاستثمار في تطوير مشاريع جديدة هو أحد أهم العوامل الرئيسة التي تلعب دورا كبيرا في تحديد مستوى أسعار النفط خلال السنوات الخمس المقبلة. على وجه الخصوص، سيكون لرد فعل الشركات النفطية في خفض النفقات الرأسمالية في أعقاب هبوط أسعار النفط دور مهم في تحديد مستقبل تطوير طاقات إنتاجية جديدة، حيث إن قرارات الاستثمار التي تتخذ اليوم ستكون لها تداعيات كبيرة على مستوى الإنتاج العالمي للنفط على المدى المتوسط. من بين العوامل التي تؤثر في قرارات الاستثمار في تطوير المشاريع الجديدة وبالتالي في مسار النمو في الطاقات الإنتاجية المستقبلية للنفط: التوقعات بشأن مستقبل أسعار النفط, تكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية، وحجم واقتصاديات المشاريع. يذكر أن أسعار النفط المنخفضة التي سادت الأسواق العالمية في مطلع العام الحالي قد دفعت بعض الشركات إلى تأخير بعض المشاريع، ما ساعد في خفض وتيرة النمو في المشاريع النفطية العالمية بصورة كبيرة، حيث إن أكثر من 5.0 مليون برميل يوميا من الإنتاج، التي كان من المتوقع أن تكون في الأسواق بحلول عام 2013، كان من المحتمل أن تؤجل جميعها. كما أن مزيدا من المشاريع النفطية الأخرى كان من المتوقع أن تتأخر أو قد تلغى في الأشهر القليلة المقبلة، إذا بقيت أسعار النفط عند مستويات منخفضة.
نتيجة لذلك تزايدت المخاوف لدى الدول المستهلكة للنفط ووكالة الطاقة الدولية IEA (مقرها باريس) من احتمال تأثر الإمدادات النفطية خصوصا من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC على المديين القصير والمتوسط وذلك لتراجع وتيرة الاستثمارات فيها. وتخشى وكالة الطاقة الدولية من أن الانخفاض في الإنفاق على المشاريع الاستخراجية هذا العام بنسبة 15 في المائة يمكن أن يزيد معدلات الانخفاض في الإنتاج Decline Rate بالنسبة نفسها تقريبا، وبالتالي سيحد من الإمدادات النفطية من خارج أوبك. لكن هذه المخاوف ليس لها ما يبررها الآن. حيث إن ارتفاع أسعار النفط إلى حدود 70 دولارا للبرميل خلال الفترة الأخيرة، قد ساعد في زيادة وتيرة الاستثمار في الصناعة الاستخراجية، مثل مشاريع الرمال النفطية (رمال القار) أو مشاريع الحقول البحرية العميقة جدا في خليج المكسيك والبرازيل وغيرها، كما استعاد الإنتاج الروسي بعض عافيته. كذلك تراجع تكاليف الإنتاج قد ساعد في ذلك هو الآخر. أسعار النفط حاليا نصف مستويات أسعار العام الماضي، تكاليف التطوير والإنتاج قد انخفضت أيضا، لكن ببطء على الرغم من الركود الاقتصادي الحاد. حيث إن تكاليف الحديد، الأسمنت ومعدات حفر الآبار البرية قد شهدت هبوطا حادا، لكن تكاليف منصات الحفر في المياه العميقة، المعدات المتخصصة واليد العاملة الماهرة ما زالت مرتفعة نسبيا.
إن الشركات النفطية العملاقة قد قامت بخفض إنفاقها على الفعاليات المختلفة وذلك نتيجة تحسين وزيادة كفاءة الإنفاق وليس لأنها تستثمر أقل في الوقت الحاضر. حيث إن بإمكانها اليوم تنفيذ مستوى الفعاليات اللازمة نفسه لديمومة نموها بكلف أقل. الشركات الصغيرة ليس لها خيار هي الأخرى سوى خفض الإنفاق أيضا. إن الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط اليوم هي أعلى عما كانت عليه قبل عام، كما إن فعاليات تطوير الحقول قد ازدادت وذلك لعودة أسعار النفط إلى حدود 70 دولارا للبرميل. على سبيل المثال، عدد أبراج الحفر العاملة في جميع أنحاء العالم قد بدأت بالارتفاع خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بعد تسعة أشهر من الهبوط الحاد عندما انهارت أسعار النفط. إن على الصناعة النفطية الاستمرار في حفر آبار جديدة وذلك للحفاظ على الطاقات الإنتاجية. إذا لم يتم الاستمرار في حفر الآبار، سينخفض مستوى إنتاج الحقول الحالية.
ولكن على الرغم من الاضطرابات الحالية في أسواق النفط العالمية وتذبذب الأسعار، إلا إن الربعين الأول والثاني من عام 2009 شهدا زيادة في الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC نتيجة انتعاش الإمدادات النفطية خلال الربع الأخير من عام 2008. وذلك لعودة الإنتاج من أحد حقول أذربيجان العملاقة الذي توقف في أيلول (سبتمبر) الماضي، وأيضا عودة الإنتاج من حقول خليج المكسيك في الولايات الأمريكية التي توقفت نتيجة الإعصار جوستاف والإعصار آيك، وأيضا نتيجة نمو الإنتاج في مناطق مختلفة مثل المياه العميقة في البرازيل. عليه تتوقع معظم الدراسات أن الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط ستزداد ما بين 0.3 و 0.4 مليون برميل يوميا عام 2009 على عام 2008. أما في عام 2010، فيشير معظم توقعات المحللين إلى أن الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط ستزداد هي الأخرى أيضا، حيث من المتوقع أن تزداد في حدود 0.4 مليون برميل يوميا أو أكثر بقليل عن عام 2009. هذه التوقعات هي أفضل مما كان متوقعا قبل بضعة أشهر.
أما أهم مناطق النمو في الإمدادات النفطية في الدول غير الأعضاء في ''أوبك'' هي: بحر قزوين من كل كازاخستان وأذربيجان، وكل من أمريكا الشمالية من حقول خليج المكسيك في الولايات الأمريكية والرمال النفطية في كندا، وأمريكا الجنوبية من المياه العميقة في البرازيل، هذا النمو في الإنتاج سيعوض انخفاض الإنتاج من بحر الشمال، المكسيك وروسيا. حيث إن انخفاض أسعار النفط وتأثير أزمة الائتمان العالمي كان لهما أكبر الأثر في الإنتاج الروسي. في عام 2008 شهدت روسيا تراجعا في حجم الإنتاج عن عام 2007, ولأول مرة منذ عام 2000، حيث انخفض الإنتاج في كانون الأول (ديسمبر) إلى أدنى مستوى له منذ أيار (مايو) 2006. لكن الإنتاج الروسي قد استعاد بعض عافيته في الربعين الأول والثاني من عام 2009.
إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية له تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي وعلى الطلب العالمي على النفط، كذلك انخفاض أسعار النفط انخفاضا حادا له نتائج سلبية على الاستثمارات في المشاريع النفطية وبالتالي على نمو الإمدادات النفطية في المستقبل. لذلك وجود أسعار نفط عادلة سيعود بالفائدة على المستهلكين والمنتجين على حد سواء. اليوم معظم المعنيين بالصناعة النفطية على قناعة تامة بأن أسعار النفط التي تشجع الاستثمار في المشاريع الجديدة وتضمن نموا في الإمدادات وفي الوقت نفسه لا تؤثر في النمو الاقتصادي والطلب على النفط تراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل الواحد.
