الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تمور القصيم.. استعادة الوعي بقيمة النخلة

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الثلاثاء 8 سبتمبر 2009 0:1

العلاقة بين مواطني هذه الأرض وشجرة النخيل علاقة أزلية، وموغلة في القدم.. فقد احتلت النخلة وفي مفاصل كثيرة من تاريخ هذه البلاد موقعا متميزا جعل منها مصدر الغذاء الأول اللازم للبقاء على قيد الحياة في تلك الصحاري المقفرة والقاحلة، وذلك نسبة لقدرة أشجار النخيل على مقاومة العطش والتصدي لتقلبات الطقس الصحراوي الحادة.

وهناك بعض مزارع النخيل التي لا تزال قائمة في المدينة المنورة، وداخل حدود الحرم، والتي تشير بعض الروايات إلى أن ملكيتها كانت تعود لأبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنهما، ما يؤكد على ارتباط الإنسان بهذه الشجرة المباركة على مر التاريخ وتعاقب العصور كضمان حياة.

وفي ثقافتنا الشعبية، دخلت النخلة اقتصاديات المجتمع في حياة الآباء والأجداد حينما كان القوت المتاح يقوم عليها وعلى ما تنتجه بهيمة الأنعام، ويزخر الشعر الشعبي بالكثير من الجمل والمفردات التي تتغنى بالنخلة وترفع شأنها للدلالة على موقعها في حياة الناس، وقد وصفها بعض الشعراء بالغيد، وهو وصف ينطوي على دلالة سيكولوجية بالغة الأهمية تشير إلى دورها الرئيس في حياتهم والذي لا تغادره العاطفة، كما وصف آخرون موسم الخراف.. أي جني المحصول بموسم (تقطيع الدفاتر)، حيث يستطيع المزارعون سداد ديونهم للتجار بعد بيع محاصيلهم من التمور، مما يستدعي تمزيق تلك السندات، إلا أن هذا الجانب الاقتصادي للنخيل سرعان ما غاب واختفى مع بزوغ الطفرة الاقتصادية الأولى وانشغال الناس بأبواب اقتصادية جديدة ما كانوا يعرفونها من قبل، غير أن الدولة التي جعلت النخلة أحد مكونات شعارها الرسمي، لم يرق لها هذا الجفاء للنخلة، فشجعت الأمانات والبلديات على استزراعها في الحدائق والمتنزهات، وحتى في الشوارع والطرقات العامة.. إمعانا في تكريس حضورها، والوفاء لها، إضافة إلى الإبقاء على الإعانات الخاصة بالتمور، والتي تستهدف تشجيع المزارعين على الاستمرار في العناية بها، حتى بعدما تأخر موقعها في الاقتصاد الغذائي.

وخلال الأعوام القليلة الماضية ومع تنامي الوعي العام لدى مزارعي النخيل، عاد الاهتمام بالنخلة مجددا، وتبنت منطقة القصيم تحديدا عددا من مهرجانات التمور، وأقامت لها الأسواق العملاقة التي أصبحت تستقطب الناس من جميع مناطق المملكة إلى جانب دول الخليج، مما يُعد خطوة أولى باتجاه تحريك اقتصاديات التمور، وتفعيل نشاطها، لكنه لا يزال دورا منقوصا.. إذ لا يزال أمامنا الكثير مما يُمكن أن نفعله لكي نقول: إننا دخلنا بالفعل مرحلة تشغيل اقتصاد التمور، بما تمثله زراعة النخيل من ثقل وقيمة على المستوى الوطني، وفي معظم مناطق المملكة كالأحساء والقصيم والمدينة المنورة وحائل والجوف وغيرها، وأهم هذه الخطوات الصناعات التحويلية، وتشير بعض التقارير إلى أن أفضل أنواع الكحول المستخدم للأغراض الطبية في المستشفيات يأتي من التمور، هذا إلى جانب نجاح تلك التجارب التي استهدفت تحويل سعف النخيل وليفها في صناعة الخشب المضغوط، إلى غير ذلك من الصناعات التحويلية الأخرى التي يُمكن أن تفتح بابا مهما وفاعلا في تعزيز اقتصادنا الوطني.

فهل تنجح منطقة القصيم التي بادرت بإقامة هذه المهرجانات التسويقية المهمة.. هل تنجح في توسيع دائرة الاقتصاد في هذه السلعة المباركة والمهمة، والتي لا تزال تمثل في ذاكرتنا الاجتماعية أحد أهم مصادر الطمأنينة جهة الأمن الغذائي، مثلما أشار ذات مرة الملك فيصل بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ مع وزير الخارجية الأمريكي في عهد نيكسون.. هنري كيسنجر إبان تصاعد أزمة قطع النفط عن الغرب خلال حرب 1973؟، وهل تستطيع القصيم أن تقود حالة من استعادة الوعي بقيمة النخلة اقتصاديا، مثلما فعلت بعض المقاطعات الإسبانية والإيطالية مع شجرة الزيتون؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية