الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الملك المصلح وتكريس مدرسة العفو

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الأحد 6 سبتمبر 2009 0:2

أيّ تغيير اجتماعي لا يبدأ إلا حينما يقوده المصلحون الكبار، ويتعهدونه بحكمتهم، لأن المجتمعات بطبيعتها لا تستجيب بسهولة للمواعظ والتوعية النمطية.

وفي قضايا الثارات تتعقد الأمور إلى درجة كبيرة، وتتداخل فيها الحقوق مع الكرامة, مع رؤية المجتمع, مع التقاليد, مع المشاعر الإنسانية التي يحقنها الغضب بطبيعة الحال والرغبة في الاقتصاص. وقد أدت هذه التعقيدات خلال السنوات الماضية إلى تصاعد أرقام الديّات بشكل غير مسبوق إلى أرقام فلكية أدخلت المجتمع إلى بازار من أسوأ البازارات .. وهو بازار الدم، رغم كل تلك النداءات المتكررة، والخطب والمقالات التي كانت تحاول أن تضع حدا لهذه السوق .. فيما كان دور الشخصيات الاعتبارية ينحصر فقط في تبنّي الجاهات للحيلولة دون تنفيذ القصاص، والاكتفاء بقبول التعويض المالي .. إلى أن وقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - يحفظه الله - وأطلق نداءه الشهير لجميع مواطنيه بالتزام مبدأ العفو وفق القاعدة الشرعية: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) أثناء استقباله - رعاه الله - أحد المواطنين الذي تنازل بطوعه واختياره عن قاتل ابنه, ليجعل من هذه القضية النموذج الذي يجب أن يُحتذى، وقد استطاع ذلك النداء أن يأخذ طريقه بين الناس كقيمة تكريمية من رأس هرم السلطة في الوطن، وقد توالت عمليات العفو تباعا بعد تلك الواقعة.

وبالأمس استقبل - يحفظه الله - أبناء المواطن عماش بن عماش الشمري, الذين تنازلوا لوجه الله عن قاتل شقيقهم جمال، المواطن بندر بن عايد الشمري, استجابة لنداء خادم الحرمين الشريفين الذي باتت أصداؤه تؤتي أكلها، وهذه اللفتة الأبوية والإنسانية الكبيرة التي نرجو أنها بدأت تؤسس لمرحلة تغيير اجتماعي مع مثل هذه القضايا، تختفي فيها المزايدات المالية، وتعود الحقوق فيها إلى ما أقرّه الشارع الحكيم، مع تغليب العفو في حوادث قتل الخطأ وما في حكمه، ستضاف إلى السجل الإنساني لهذا الرجل العظيم، الذي يُصرّ كل يوم على أن يُثبت أنه لا يُمارس عمله كقائد سياسي أو ملك وحسب، وإنما كزعيم وأب لكل مواطن ومقيم على حد سواء، بحيث تشغله قضايا الإنسان كثيرا، ويقتطع لها من وقته المكتظ بالعمل والمقابلات ما يكفي للتعبير عن عنايته الكبيرة بها، وموقعها المتقدم في قائمة اهتماماته.

إن القائد الذي يحتفي بمثل هذه المواقف الإنسانية، ويعقد مجلسه لها بهذه الحفاوة, لا يفعل هذا لأن هنالك برتوكولا ملكيا يقتضي ذلك، وإنما يفعله لأنه يُريد أن يُعيد تأسيس الحقوق على قواعدها المنطقية، ليأخذ المجتمع من آفة (التعطّي) لسداد الديات، مع ما فيها من مبالغات ومسّ بكرامات الناس، إلى تسويق فضيلة العفو التي تعد على رأس الفضائل التي يعتني بها ديننا الإسلامي .. وهذا ليس دور الملوك في العادة، وإنما هو دور المصلحين، لكنه عبد الله بن عبد العزيز الملك والزعيم والإنسان والمصلح الكبير الذي أخذ على عاتقه ليس قيادة الوطن وتنميته وحسب، وإنما إصلاح ما أفسده طغيان الماديات، والانصياع للمكابرة بالتحدي, ثم تقصير قادة الرأي وعجزهم عن ضبط ذلك المارد لو لم يحمل بنفسه - يحفظه الله - هذا العبء، ويرفعه إليه، ويكرّم النماذج المستجيبة ليصنع منها إطارا أخلاقيا لاحتواء هذه القضايا التي لا يكاد يخلو منها أيّ مجتمع على وجه هذه الأرض.

لقد أسس خادم الحرمين الشريفين بندائه المعروف مدرسة للعفو عند المقدرة.. ها هي اليوم تقدم لنا مزيدا من النماذج التي تستحضر أخلاقيات الإنسان المسلم بكل ألقها ونبلها حينما تتعرض للأذى، ويكون في مقدورها أن تسمو للعفو أو تقبل بالدية وفق ما أمر به الشرع وتقرّر بالعرف، دون مزايدات ما كان لها أن تأتي إلا بمزيد من الأحقاد والضغائن، وربما الثارات لاحقا لا قدر الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية