الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

يد واحدة تصفق لبيرنانكي

توماس آي. بالي
الأحد 6 سبتمبر 2009 0:3

كان القرار الذي اتخذه الرئيس باراك أوباما بترشيح بـِن بيرنانكي لولاية ثانية كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة قراراً حكيماً وعملياً، ولكنه ليس بالأمر الذي يستحق الاحتفال. بل ينبغي أن يكون هذا القرار مناسبا للتأمل في الدور الذي يلعبه التفكير الجمعي الإيديولوجي بين أهل الاقتصاد، بما فيهم بيرنانكي، في استفحال الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. كان قرار ترشيح بيرنانكي حكيماً لسببين. الأول أن اقتصاد الولايات المتحدة والعالم لا زال غارقاً في مستنقع الركود. ورغم أن الأزمة ربما تكون قد انتهت إذا ما أخذنا في الحسبان أن العالم نجح في تجنب الانهيار التام فإن الاقتصاد ما يزال عُـرضة للخطر. وعلى هذا فإنه من المنطقي ألا نجازف بتعريض الثقة لصدمة قد تؤدي إلى تجدد دورة الانحدار.

والسبب الثاني أن بيرنانكي هو الأفضل بين أقرانه. فقد توصل في النهاية إلى فهم واضح لطبيعة وشِدة الأزمة، ثم اتخذ خطوات حاسمة أسهمت في إيقاف السقوط الحر للاقتصاد. والواقع أن هذا السجل، مقترنا بالشك في أن أياً من أقرانه كان ليتولى الأمر بصورة أفضل، يعني أن وضع أي مرشح آخر من بين المنتمين إلى التيار السائد في محله كان ليخالف كل منطق.

إن هذين العاملين يبرران إعادة تعيين بيرنانكي، ولكن ضعف الثناء على القرار يشير إلى المشكلات الأعمق التي كشفت عنها ولايته. وهذه المشكلات تتعلق بحالة الاقتصاد والمشورة فيما يتصل بالسياسات الاقتصادية.

إحدى هذه المشكلات تكمن في حق الاعتراض (الفيتو) الضمني المكفول لوال ستريت ضد بنك الاحتياطي الفيدرالي. ومن الواضح أن هدف تفادي هز الأسواق المالية يشكل سبباً رئيساً لإعادة تعيين بيرنانكي. وهذا يفسر أيضاً السبب الذي جعل المنافسين الوحيدين له من بين جماعة أقرانه ـ أو الأشخاص الوحيدين الذين قد تتقبلهم الأسواق المالية.

وفي تسعينيات القرن الـ 20 كان هدف تهدئة أسواق المال مبرراً لإعادة تعيين ألان جرينسبان سلف بيرنانكي، والآن يُـستَحضَر هذا الهدف دوماً كذريعة لعرقلة التغيير في بنك الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية. والواقع أن الأسواق المالية نجحت في ترسيخ حق اعتراض ضمنياً على الكثير من السياسات الاقتصادية، وعلى الأشخاص الذين يمكنهم احتلال مناصب رفيعة تشتمل على صناعة القرار السياسي، ولقد حان الوقت الآن للتفكير في الكيفية التي نستطيع بها الإفلات من هذه القبضة.

ثمة مشكلة ثانية تتعلق بحالة الاقتصاد. رغم أن بيرنانكي قد يكون الأفضل بين جماعة أقرانه، إلا أن الحقيقة هي أن الأزمة الاقتصادية أثبتت على نحو حاسم أنه كان على خطأ هو وأقرانه. فقد أسهموا كمجموعة في تملق جرينسبان، الذي زعم أحد خبراء الاقتصاد البارزين أنه ''أعظم محافظي البنوك المركزية على الإطلاق طيلة التاريخ''. ودون استثناء تقريباً، فشل خبراء الاقتصاد المنتمين إلى التيار السائد في توقع الأزمة، وحتى القلائل الذين توقعوا حدوث الأزمة فشلوا في فهم منطق الأحداث والتكهن بمراحلها وتوابعها. من جانبه، تولى بيرنانكي قيادة الهجوم الفكري ضد استهداف البنوك المركزية للتضخم، زاعماً أن تحديد هدف للتضخم السنوي كان يشكل إطاراً كاملاً وكافياً للسياسة النقدية. ولقد أسهم هذا التفكير في إهمال أسواق الأصول والائتمان، وروج للتجاهل الفكري للتنظيم المالي، وعزز تجاوزات الإفراط في ترك الحرية المطلقة للأسواق، وذلك لأن اعتقاد الاقتصاد الكلي في كفاية استهداف التضخم يقترن منطقياً مع اعتقاد الاقتصاد الجزئي أن أسواق الائتمان سترعى نفسها بنفسها. وطبقاً لتعبير جرينسبان فإن ''المصلحة الذاتية لمؤسسات الإقراض'' كافية لحماية حملة الأسهم والاقتصاد من فرط الإقراض''.

إن هذا النوع من التفكير يفسر تباطؤ بنك الاحتياطي الفيدرالي تحت زعامة بيرنانكي في الاستجابة للأزمة، التي بدأت في آب (أغسطس) 2007 ورغم ذلك لم يسفر ذلك عن استجابة متماسكة وشاملة حتى تشرين الثاني (نوفمبر) 2008. لا شك أن بنك الاحتياطي الفيدرالي كان ليتحرك بسرعة أكبر لو لم يكن متشبثاً بنموذج العمل المصرفي الأكثر ملاءمة لخمسينيات القرن الـ 20.

وفي غفلة عن الدور الذي يلعبه النظام المصرفي الخفي، لم يدرك بنك الاحتياطي الفيدرالي كيف أن انهيار ذلك النظام من الداخل من شأنه أن يقوض النظام المصرفي التقليدي. لقد فشل بنك الاحتياطي الفيدرالي ببساطة في فهم أهمية الحيازات الضخمة لدى البنوك التقليدية من الأصول المثمنة تبعاً للقيمة السوقية الحقيقية، ومشاركة هذه البنوك في النظام المصرفي الخفي عن طريق أدوات الاستثمار المهيكلة خارج الميزانية.إن أي تقييم موضوعي لفكر بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل وأثناء الأزمة يظهر بوضوح فشله في فهم العوامل الاقتصادية المرتبطة بمنطقة نفوذه ذاتها، وبالأسواق المصرفية والمالية. فضلاً عن ذلك فقد عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي على الترويج لوجهات نظر اقتصادي أعرض اتساعاً بشأن إلغاء التنظيمات وطبيعة الاستقرار الذاتي التي تتسم بها الأسواق، وهي الآراء التي أفقدتها الأزمة مصداقيتها.

ورغم أن الظروف تملي أن بيرنانكي هو المرشح الأفضل وتؤكد ضرورة إعادة تعيينه، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان تنظيف البيت من الداخل فكرياً في بنك الاحتياطي الفيدرالي، من أجل فتح المجال أمام وجهات النظر الاقتصادية البديلة. والخطر الأعظم هنا يتلخص في أن إعادة تعيين بيرنانكي ستُـفسَّر باعتبارها الضوء الأخضر لاستمرار الوضع الراهن المعيب.

وهنا تدخل في الصورة مسألة المناقشة العلنية وجلسات استماع مجلس الشيوخ لتأكيد إعادة تعيين بيرنانكي. وينبغي لهذه الجلسات أن تستغل كمناسبة للفحص التحليلي الشامل لما حدث من أخطاء، والأسباب التي أدت إلى حدوثها. وإذا حدث ذلك فقد تخدم إعادة تعيين بيرنانكي كوسيلة لتحريك التغيير البنَّاء بدلاً من التصديق على نموذج فقد مصداقيته.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية