قراءة التاريخ مفيدة!

|
إن قراءة التاريخ مفيدة. ولولا ذلك لم يعتبرها القرآن مصدرا للمعرفة. «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل». وأنا أحياناً يعتريني شعور أشبه بالدوار، حينما يسبح خيالي في تصور البشر الذين سبقونا؛ فأقول هل يعقل أن يكون قد عاش قبلنا أجيال وأجيال، ولم نجتمع بأحد ولم نر أحداً؟ ولكن القبور تتحدث أخبارها ويكذبني الواقع!! فأقول ولكن من أين جئت أنا؟ ثم أقول كيف عاشوا وكيف عانوا وكيف ماتوا؟ وما شعورهم حينما دخلوا الأبدية؟ وكيف كانوا ينظرون إلى ظروف أيامهم؟ ويأتني الجواب من سجف الغيب؛ لقد عاشوا تماما مثلنا، فأكلوا وشربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا. وأحياناً أسبح في التفكير إلى درجة أن تدمع عيني، عندما أتصور طوابير لا تنتهي من أجدادنا، سلكوا إلى العالم الأخروي؛ فلا نسمع لهم ركزا. وأقول أحياناً الحياة قصيرة وإنها أقصر من أن نقصرها بالتفاهات، أو أن يقتل أحد آخر فيقصر حياته التي منحه إياها الله رب العالمين، الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا». وأحياناً أقول ما هذا الشر الذي تدفق إلى العالم؟ ولماذا ومن أين جاءت جذوره؟ ثم أقول إن حياة أحدنا لا تعني أكثر من شرارة مؤقتة من نار عظيمة. وكنت أقرأ في كتاب عبد الله عنان وهو يروي مرحلة دول الطوائف، ذلك أن وضع العالم العربي الراهن ذكرني به؛ فهالني واستولت عليّ أحزان!! كان ما قرأت عن الأندلس مصيبة عظيمة ونكبة جارفة مثل زلازل الطبيعة وتسونامي المحيط، حينما عجز العرب عن الحياة المشتركة؛ فولدت من الدولة العامرية مع نهاية القرن الرابع الهجري عشر دول، بحيث كان يخطب للجميع، ويكنى كل واحد منهم بأمير المؤمنين، وعنده جيشه وشعبه؟! والمحزن أنها كانت دولا يعمها الشقاق والنزاع، تماما مثل الانتحار الداخلي، في الوقت الذي كان فيه الإسبان يشنون حرب الاسترداد ويقتطعون كل مرة قضمة من دول الطوائف المتنازعة. كان في إشبيلية بنو عباد، ومؤسس الدولة هو القاضي أبو القاسم العباد. وفي طليلطة كان ذو النون، وقد ضاعت منهم عاصمة الأندلس الإسبانية عام 1085م. وفي سرقسطة بنو هود وهي كلها حواضر جميلة جدا، وقد زرت معظمها شخصيا. وفي البرتغال التي هي أرض البرتقال بنو الأفطس. وفي غرناطة كان البربر. وفي قرطبة تربع على العرش بنو حمود وجهور. ونقرأ لابن حزم الأندلسي الذي عاصر هذه الفترة وهو متشائم من الوضع جداً. أما صديق ابن خلدون لسان الدين ابن الخطيب فكتب شعرا تغنيه فيروز حتى هذه الأيام يا زمان الوصل في الأندلس. وقال في شعره عبارة مؤثرة: كنا عظاما فصرنا عظاما. إذا قرئت بالضم ثم الكسر. ونصح الرجل أي ابن الخطيب بعدم البقاء بالأندلس، والالتحاق بالحواضر الإسلامية في الشمال الإفريقي. وكان الرجل واعيا تماما للأحداث. أما ابن خلدون فتقلب في ثلاث مراحل أساسية، عاش ثلث عمره بين الأندلس والمغرب، وتقلب في المغامرات السياسية كثيرا، ويشبه مكيافيللي من جانب، وارتاع بدوره من الانهيار الأندلسي وكيفية بدء المسلمين بتقليد الإسبان والجلالقة، وعلق على هذا أنها من مظاهر الشعور بكمال الغالب. واليوم نحن نعاني ظاهرة مشابهة من السيطرة الأمريكية وشعورنا بأنهم الأعلى. والفرق بين تلك الأيام والحالية، أن الغرب صنع الحضارة الحالية، أما أيامهم فكان العرب من يصنعها. وحين يستولي التقليد للآخر فهي تحمل في باطنها علامات خطيرة لتحلل الأمة. وفي دول الطوائف كان الوضع على غاية الخطورة. وفي الواقع كاد الأندلس ينتهي مع نهاية القرن الحادي عشر للميلاد لولا أمران: انهماك الإسبان بصراع داخلي وافتقادهم الوحدة الكاملة، وبالمقابل وجود دول قوية مثل المرابطين والموحدين في المغرب مما أعاق سقوط الأندلس قرونا. والسقوط الحقيقي ونهاية الأندلس الفعلية كانت مع دول الطوائف. والعالم العربي مهدد بمصير سيئ من هذا النوع ما لم تحدث معجزة. ولكن وقت المعجزات ولى ولذا فإن المؤشرات خطيرة وأجراس الإنذار تقرع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولعل خير ما يقال إن الشقاق الداخلي هو أخطر بكثير من الصراع الخارجي، ولكن من يفهم هذه هم قلة لا قيمة لهم في المجتمع ولا أحد يسمع لهم أو يأبه.. حتى تكون الحاقة وما أدراك ما الحاقة.
إنشرها