فيما عدا قبضة السلطة التي أطاحت بحكومة بيراك المعارضة، التي كان يشكلها تحالف باكاتان راكيات، أو تحالف الشعب، والمحاولات المختلفة لزعزعة استقرار حكومة سيلانجور، بقيت حكومات ولاية باكاتان الأربعة ثابتة في الحكم. والأكثر من ذلك هو أن باكاتان تملك الآن سجلاً محسوداً من 7 إلى 1 بواسطة خط تسجيل الانتخابات ضد الجبهة الوطنية الحاكمة منذ الانتخابات العامة التي جرت في آذار (مارس) 2008. وبحسب المعايير كافة، فإن هذا أمر رائع على الرغم من أنه ينبغي القول إن جميع المقاعد التي فازت بها كانت في السابق مقاعد لباكاتان، وكان هناك الفشل في الحصول على مقعد الجبهة الوطنية في ساراواك.
بعد كل ما قيل، ففي 25 آب (أغسطس) 2009، في أحدث انتخابات خاصة لملء مقعد شاغر في بيرماتانج باسير، وهي ولاية الدائرة الانتخابية لبينانج، الحزب الإسلامي، فإن مرشح باكاتان أخرج مرشح جبهة التحالف الحاكم من الجبهة الوطنية بنحو 4511 صوتاً، بنقص مقداره 882 صوتاً عن الفوز السابق في الثامن من آذار (مارس) 2008. ويمكن أن يكون الهبوط في نتيجة التصويت من 82.6 في المائة، إلى 73.1 في المائة هو سبب هامش الاختلاف هذا. والأمر المثير على نحو أكثر هو أن الحزب الإسلامي الذي فاز في مراكز تصويت مالاي، وغير مالاي، وفقاً لتقارير ميدانية، والمناطق الصينية برهن عن دعم أكثر شمولاً. وثمة القليل من الشك في أن باكاتان يبقى الاختيار للناخبين الماليزيين بعد سبع انتخابات خاصة لشبه جزيرة ماليزيا. إلى جانب الفوز في الانتخابات الخاصة، فإن الأمر الذي يضيف إلى ثقة باكاتان المتزايدة هو الانقلاب السياسي لزيد إبراهيم، مركز الثقل السابق في جبهة التحالف الحاكم، والانضمام إلى حزب كاديلان راكيات، ولجوء زعيم الاتحاد الصيني الماليزي السابق، ووزير الصحة تشوا جوي مينج، أيضاً إلى حزب كاديلان راكيات.
يبدو أن مرونة باكاتان، وسلسلته الثابتة من الفوز في الانتخابات الخاصة، تشير إلى أن نظام تحالف الحزبين مترسخ بشكل أساسي في ماليزيا. وفي واقع الأمر، فإن أنور إبراهيم أعلن أن التحالف سيتم تسجيله قريباً كمؤسسة رسمية مثل الجبهة الوطنية. وكشف أنور، بعد اجتماع المجلس الأعلى لباكاتان راكيات في بيتالينج جايا في 13 آب (أغسطس)، عن أنه تم تكليف الأمانة العامة التي تتألف من صلاح الدين أيوب (نائب رئيس الحزب الإسلامي)، وزيد إبراهيم (حزب كاديلان راكيات) وأنتوني لوكي سيو فوك (حزب العمل الديمقراطي)، بمهمة دراسة تشكيل باكاتان راكيات.
على أية حال، لا يسع المرء إلا أن يشير إلى أن الحزب الإسلامي يمكن أن يدق إسفيناً في أعمال الشراكة السياسية لباكاتان. ويبدو أن سياسيين معينين في الحزب الإسلامي غير مدركين بشكل مقنع أنه لولا دعم غير المسلمين، والمسلمين المعتدلين، لكان الحزب سيبقى قوة سياسية إقليمية تقتصر بشكل رئيس على كيلانتان. وتلك كانت الحجة قبل حركة الإصلاحيين في أواخر تسعينيات القرن الماضي التي اكتسب بعدها الحزب الإسلامي المزيد من الدعم والعضوية من جانب المسلمين المعتدلين وحقق أكبر فوز له في انتخابات عام 1999. وفي آذار (مارس) 2008، فإنه سار في أعقاب تصويت الاحتجاج الهائل ضد الجبهة الوطنية، وفاز بأصوات غير المسلمين. وحين ثارت أعمال شغب الحزب الإسلامي من أجل إدخال قانون حدود (القانون الجنائي الإسلامي) في تيرينجانو بعد الفوز في انتخابات الولاية في انتخابات عام 1999، فإنه رأى فرصه تنزلق، وتمت هزيمته على يد جبهة التحالف الحاكم في عام 2004. يبدو أن الحزب الإسلامي في هذه الأيام يلوح بالتهديد بشارته الإسلامية مرة أخرى، وبالذات إذا تتبع المرء تصرفات المستشار التنفيذي لهذا الحزب في سيلانعور، حسن علي، الذي قام بتوبيخ زميله روني ليو، المسؤول عن الحكومة المحلية لأنه لم يفرض حظراً مشدداً على بيع البيرة في المتاجر المنتشرة داخل الأحياء. وجاء المفوض الأعلى للحزب ليتخذ خطوة تصعيدية إضافية بأن كلف أعضاء لجنة المسجد بالدور الأخلاقي الشرطي المتمثل في إلقاء القبض على أي مسلم يقوم ببيع أو تخزين المشروبات الروحية. ولم يستطع خالد إبراهيم، رئيس الولاية، سوى إصدار مذكرة خجولة حول هذه القضية التي لم يتم حلها بعد. وحين تحدث عضو البرلمان من الحزب الإسلامي، خالد صمد، أمام ندوة عقدت في سنغافورة في الشهر الماضي، فإنه أشار إلى أن هناك طريقاً طويلاً باتجاه نظام ثنائي الأحزاب في ماليزيا، وينتمي خالد إلى جناح ''أردوغان'' الأكثر تحرراً، كما أنه عضو في اللجنة المركزية للحزب الإسلامي، وهو معروف باعتدال آرائه، وانفتاحه على غير المسلمين. وأوصل حملته الانتخابية في آذار (مارس) من عام 2008 إلى غير المسلمين، حيث توجه إلى المجتمعات المسيحية في ولاية شاه علام، وقام بزيارة الكنائس. وكان يرى أن تحالف باكاتان ليس مستعداً حتى لأن يكون لديه شعار عام، نظراً لأن كلاً من الأحزاب المشاركة فيه يعتمد على منطقته الانتخابية، وشبكاته. وألمح خالد كذلك إلى أن التوصل إلى أيديولوجية عامة بعيد للغاية عن آفاق عمل هذا التحالف. وحتى يتمكن التحالف من التوافق سياسياً، فإنه سيكون في حاجة إلى سياسات متفق عليها، أو أنه سيودع مسرح السياسة ناسياً نصره الانتخابي، وذلك في انتخابات عام 2013.
من العوائق الكبرى كذلك أمام توافق باكاتان تلك المحاكمة المستمرة لأنور. وعلى الرغم من نجومية فريق الدفاع عن أنور بقيادة المحامي، رجا عزيز عدروس، فإنه ليست هناك ضمانة بألا يتكرر معه ما واجهه من أمور في عام 1998. ومما لا شك فيه أن أنور هو النقطة المحورية في هذا التحالف. ودون وجوده على قمة التحالف، فإن هذا الملتقى الحزبي الواسع سيتحول إلى مجرد تجمع محلي عادي يعج بالصراعات. وظلت الخلافات الواسعة بين الحزب الإسلامي، وأكبر حزب يليه في هذا التحالف، حجر عثرة أمام الحزب الإسلامي في محاولاته لإظهار ميزاته. وفيما يتعلق بقرار اتخاذ دور الرقابة الشرطية، لجأ زيد إبراهيم من حزب PKR إلى الطلب من زعماء الحزب الإسلامي أن يولوا أهمية مماثلة لقضايا أخرى ملحة مثل الفساد، وأن يبتعدوا عن القضايا التافهة.
من حسن حظ هذا التحالف أن خلافاته الداخلية، ومعاركه السياسية، تأتي في مرتبة أقل أهمية من تلك الخلافات القائمة لدى جبهة باريزان الوطنية. وعلى الرغم من تغيير الحرس، إلا أن رئيس الوزراء، نجيب رزاق يواجه مشكلات خلافات حادة بين أحزاب الجبهة، وكذلك داخل تلك الأحزاب. وكان آخر الخلافات يدور حول زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي في ساراواك، تيونج سنج، الذي اتهم رئيس حزب الرابطة الماليزية الصينية، اونج تي كيت، بقبول رشوة بعشرة ملايين ريجنت ماليزي، حيث تطور الأمر وأصبح مبلغ الاتهام فيما بعد 500 مليون ريجنت ماليزي. ويبدو رئيس الوزراء غارقاً في الصمت بسبب تطورات هذه الفضيحة المرتبطة بالمنطقة الحرة في ميناء كلانج، هذه التركة الثقيلة التي تسلمها من حكومات سابقة بقيادة الجبهة الوطنية.
ومن الأمور التي أسهمت في تركيز الأضواء بشدة على حكومة نجيب تلك القضية التي أدينت فيها امرأة مسلمة اسمها كارتيكا سوكارنو، بتناول البيرة، من جانب إحدى المحاكم الشرعية في ماليزيا، حيث إن تلك القضية لقيت تغطية إعلامية دولية على نطاق واسع. وتحاول الحكومة بكل ما أوتيت من قوة وقف هذا التوجه الخاص بالمحاكم الإسلامية التي تتولى النظر في مثل هذه القضايا. وتبدو هذه السيدة على استعداد لقبول الحكم الذي هو بمثابة الدواء المر، بينما يرجوها رئيس الوزراء، وعدد من المسؤولين بأن تتقدم باستئناف.
مرة أخرى، يتضح أنه حين يكون المجتمع المحلي، والرأي العام الدولي، ضد الجلد لهذه السيدة، فإن الحزب الإسلامي دعا إلى تنفيذ هذه العقوبة، وجاءت الدعوة إلى ذلك من قبل نائب زعيم الحزب، نصر الدين عيسى. وظل حزبا PKR، وDAP صامتين بصورة حذرة، ولكن هذه القضية هي من النوع الذي يمس حياة المواطنين العاديين. وإذا لم يتمكن تحالف باكاتان من إظهار موقف قوي وموحد إزاء مثل هذه القضايا، وكذلك إبراز سياسة واضحة فيما يتعلق بها، فإن هذا الزواج القائم على المنافع المتبادلة الذي يربط في الوقت الراهن، بصورة ضعيفة، بين أحزاب هذا التحالف، سيتفكك قبل فترة طويلة من انتخابات عام 2013.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر Opinion Aisa
