الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

التغيرات العالمية .. الوعد والمخاطر

هانز فيرنر سِن
هانز فيرنر سِن
السبت 5 سبتمبر 2009 2:22

''لا شيء يبقى على حاله'' (دوام الحال من المحال). هذا القول اليوناني المأثور كثيراً ما يتبادر إلى ذهني حين أفكر في التغيرات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها أثناء حياتي. كانت كل تلك التغيرات تبدو مستحيلة قبل وقوعها، بقدر ما بدت طبيعية بعد حدوثها. والآن نمر بمرحلة حيث تحاول آسيا اللحاق بالغرب وحيث أصبحت الهيمنة الأمريكية موضعاً للتحدي.

في حين انهارت رأسمالية نوادي القمار التي تبنتها أمريكا، وبعد أن أصبحت الأقمار الاقتصادية الأوروبية التي كانت تدور في فلك أمريكا تعاني الأمرّين، بدت الصين وكأنها انتهزت الفرصة، فزادت من فوائضها التجارية في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية. والحقيقة أن الصين، في أول أربعة أشهر من هذا العام، ارتقت إلى المرتبة الأولى بين البلدان المصدرة للسلع على مستوى العالم، بعد أن تجاوزت ألمانيا، بطلة العالم السابقة. صحيح أن الصين من حيث العناصر الاقتصادية الأخرى ما زالت متأخرة كثيراً عن بلدان العالم المتقدم. ورغم أن الصين تؤوي 20 في المائة من سكان العالم فإن حصتها في الناتج المحلي الإجمالي العالمي حالياً لا تتجاوز 7 في المائة. وفي المقابل سنجد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يستحوذان على 54 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للعالم، رغم أنهما يؤويان 12 في المائة فقط من إجمالي سكانه.

ولكن هذه الأرقام تتغير بسرعة، وذلك نظرا للنمو المندفع الذي سجلته الصين, فمنذ عام 1995 إلى عام 2008 سجل اقتصاد الصين نمواً بلغت نسبته 229 في المائة، بينما لم يتجاوز نمو الاقتصاد العالمي 63 في المائة، وسجل اقتصاد الولايات المتحدة نمواً بلغ 45 في المائة، والبلدان الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي 37 في المائة فقط. وقد يكون من الصعب بالنسبة إلى الصين أن تجاري نجاح بلد آسيوي صغير مثل سنغافورة، التي تفوقت على الولايات المتحدة بالفعل من حيث نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي قياساً إلى تعادل القوة الشرائية. ولكن لا شك أن الصين ستصبح صاحبة أضخم قوة اقتصادية في المستقبل المنظور. ولاكتساب هذه المكانة الزعامية فإنها تحتاج إلى تحقيق ما يعادل ربع نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وذلك لأن تعداد سكانها يتجاوز أربعة أمثال تعداد سكان الولايات المتحدة.

إن قوى العولمة التي تحررت بسقوط الشيوعية كانت سبباً في خلق عالم أفضل، حيث التقارب الاقتصادي السريع وتقلص التفاوت بين القوى الاقتصادية. فقد تقلصت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي بنحو 1.25 دولار يومياً، من 52 في المائة عام 1981 إلى 25 في المائة فقط عام 2005. والآن أصبح أكثر من 50 في المائة من سكان العالم يمثلون الطبقة المتوسطة، حيث أصبح مستوى معيشتهم فوق متوسط خط الفقر في البلدان المتقدمة (8.2 دولار يومياً قياساً إلى مستوى تعادل القوة الشرائية عام 1996). كما هبط معامل جيني العالمي للتفاوت بين البلدان من 0.653 عام 1980 إلى 0.556 عام 2007، ويرجع ذلك أساساً إلى الأداء المذهل الذي سجلته البلدان الناشئة، خاصة الصين والهند.

ولكن عملية التنمية العالمية لم تكن بلا مشكلات. فقد سجلت مستويات انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون نمواً سريعاً، وأصبحت معدلات نضوب مصادر الوقود الحفري سريعة للغاية، كما تسارعت معدلات ارتفاع درجات الحرارة العالمية بسبب الانحباس الحراري. وحتى لو تبنت الولايات المتحدة بروتوكول كيوتو في عهد الرئيس باراك أوباما، فمن المنتظر أن تكسر درجات الحرارة العالمية الرقم القياسي الذي سجلته طيلة السنوات الـ 800 ألف الماضية, وذلك في غضون الأعوام الـ 30 المقبلة فقط.

فضلاً عن ذلك فإن موجات ضخمة من المهاجرين من البلدان النامية إلى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باتت تتحدى القدرة الاستيعابية لبلدان المنظمة وتحرم البلدان النامية من قوة العمل المتعلمة لديها. ففي الولايات المتحدة وألمانيا أصبح 13 في المائة من السكان من المولودين في الخارج، وأصبحت النسبة في فرنسا 8 في المائة، وفي بريطانيا 10 في المائة. ويميل المهاجرون من غير المهرة إلى الارتحال إلى أوروبا، حيث يثقلون عاتق دولة الرفاهية، بينما ينجذب المهاجرون المهرة إلى الولايات المتحدة، رغم الحاجة الشديدة إليهم في أوطانهم. وبات هذا الاستنزاف للعقول يمثل مشكلة، ليس فقط بالنسبة إلى بلدان أمريكا اللاتينية الواقعة إلى غرب الإنديز وعديد من البلدان الإفريقية، بل أيضاً بالنسبة إلى تركيا, إيطاليا, بريطانيا, دول البلقان, ألمانيا, وفنلندا.

إن الهجرة من البلدان النامية تعكس جزئياً المشكلة التي أدت أيضاً إلى الأزمة المالية الحالية: ذلك أن تدفقات رأس المال كانت تجري في الاتجاه الخطأ. وفي الأعوام الأخيرة استوعبت الولايات المتحدة نصف صادرات العالم من رأس المال، في حين قدمت الصين خُمس إجمالي هذه الصادرات. وفي عام 2007 فقط استوردت الولايات المتحدة 790 مليار دولار من رأس المال، في حين صدَّرَت البلدان الناشئة والنامية 714 مليار دولار.

وبهذا بات بوسع الأسر الأمريكية أن تكف عن الادخار وأن تستمتع بمستويات متطرفة من الاستهلاك، ولكن الحكمة التقليدية التي كان رأس المال يجري بموجبها من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة، حيث يمكن استثمارها على نحو أكثر إنتاجية، انقلبت رأساً على عقب. وبما أن العالم لن يستمر إلى الأبد في تزويد الولايات المتحدة بالسلع في مقابل الأوراق المالية المثيرة للشكوك، فسيضطر الأمريكيون إلى التخلي عن العالم الذي يحلمون به وسيكون لزاماً عليهم أن يوطنوا النفس على فترة من التوقعات المتضائلة، وهي الفترة التي ستمتد لزمن أطول كثيراً من زمن دورة الرواج الاقتصادي التالية، وسيستلزم هذا إدخال تعديلات بنيوية ملموسة على الاقتصاد الأمريكي.

في العقود القليلة المقبلة سيكون السلام هو التحدي الأضخم الذي سيواجه العالم، وذلك لأن البنية المتغيرة للقوة الاقتصادية ستستلزم إحداث تغيرات سياسية موازية، وهو ما لن تتقبله الولايات المتحدة بسهولة لكونها القوة العظمى الحالية. وهذا الموقف أشبه بالتحدي الذي شكلته ألمانيا بالنسبة إلى الهيمنة الجغرافية السياسية التي فرضتها بريطانيا على العالم في القرن التاسع عشر، حين ازدهر الاقتصاد الألماني. ولقد أدت التوترات السياسية الناجمة عن ذلك إلى حرب ثانية استمرت 30 عاماً وكادت تدفع الحضارة الغربية إلى حافة الهاوية. ولا نملك الآن إلا أن نتمنى أن يتحلى الزعماء السياسيون الذين يتولون صياغة المسار الذي سيسلكه العالم في القرن الحادي والعشرين بالقدر الكافي من الحكمة لتجنب مثل هذه النتيجة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية