الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 19 مايو 2026 | 2 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

لبنان.. والحكومة والولادة المتعسرة!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 4 سبتمبر 2009 6:38

لم يبتعد الدكتور منير شماعة عن الحقيقة حينما شبّه لبنان بغدّة البنكرياس.. ففي هذه الغدة تجتمع حسب وصفه كل أنواع المواد الكيماوية الفعالة لهضم أو طحن أي نوع من المركبات، لكن عندما تخرج هذه المواد من مخازنها وتلتقي أي عضو من أعضاء الجسم تفتك به فتكا ذريعا كما يحصل في التهابات هذه الغدّة، ثم يتساءل: لماذا لا يهضم البنكرياس نفسه أو يقضي على ذاته وينتحر؟ ويجيب: إن كل الأدلة والبحوث العلمية تشير إلى أن العامل الوحيد الذي يقي البنكرياس من نفسه هو التماسك وصحة خلاياه التي بتوازنها وتنسيقها وارتباطها بعضها بعضا تضبط هذه المواد الفتاكة وتحولها إلى أغراض مفيدة، وعندما يطرأ أي خلل على هذه الخلايا تختل المعادلة وتنفجر هذه المواد وتفتك بكل ما يتصل بها.

ولبنان اليوم الذي خرج للتو من حمّى الانتخابات النيابية بعد موجة عارمة من الاحتقان، ظن كثيرون أنها ستكون آخر الأحزان بعد أن استعادت الأكثرية موقعها دون أي شبهة من أنها أكثرية وهمية أو غير ميثاقية أو ما شابه ذلك.. حيث قالت صناديق الاقتراع كلمتها، عاد مجددا إلى الدوامة نفسها حتى بعدما نجح الرئيس المكلف في تمرير صيغة (15 ـ 10 ـ 5)، وكاد موقف الزعيم وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي يعصف بهذه الصيغة ويعيدها إلى المربع الأول، لكن التطمينات الأخيرة التي أكدت بقاءه في الأكثرية جددت الموعد مع الأمل في إنجاز الاستحقاق الحكومي رغم كل الغيوم السديمية التي يثيرها موقف العماد ميشال عون رئيس تكتل التغيير والإصلاح، ومواقفه المتشددة، التي قد توحي في بعض الأحيان بأن الفريق الذي ينتمي إليه العماد هو الفريق الذي ربح الانتخابات.

واللبنانيون يعرفون أكثر من غيرهم عقدة البنكرياس الذي ليس أهم مسئولياته ضبط مستوى سكر الدم في الجسم العربي كله، وإنما تكمن أهميته أيضا في ضبط عيار مكوناته الكيماوية فيما بينها بحيث لا يطغى عنصر على آخر، حتى لا تتحول هذه الغدّة ـ حسب وصف الدكتور شماعة ـ إلى قنبلة موقوتة كفيلة بتدمير ذاتها بذاتها.

التدخلات الدولية والإقليمية لم تحول لبنان إلى ساحة وحسب، وإنما حولته أيضا إلى مختبر لقياس فعالية المشاريع التي يُراد تمريرها من لبنان على حساب الأمة، وهذا ما يعصف بأي تقارب بين عناصره .. لأن تآكل البنكرياس سببه المباشر تفكك الخلية وليس وجود الإفرازات الكيماوية .. فمثلما أن لبنان يستمد غناه وثراءه من تنوعه الفكري والثقافي والديني والطائفي على مختلف المستويات.. فهو أيضا يستمدّ لعنته من التنوع ذاته, خاصة حينما تمتد بعض الأيادي البعيدة لتستثمر هذا التنوع في طرح مشاريعها إما لتصفية الحسابات أو لفرض واقع جديد أو حتى للفت الأنظار عن قضية يُراد لها أن تختفي من التداول.

من هنا وحتى يستطيع لبنان أن يتجنب هذه المآزق المتلاحقة، ويعود إلى مكانه الطبيعي كوعاء لثقافة الأمة، وملتقى لفنونها وآدابها وعلومها، ودار نشرها الكبرى التي تسوّق ثقافتها مثلما فعل قدموس شقيق أوروبا كما في الأسطورة الإغريقية، والذي خرج من صور إلى إحدى الجزر اليونانية لينشر الأبجدية الفينيقية.. قبل أن ينتقل إلى أوروبا التي أطلق عليها اسم شقيقته.. لكي يعود لبنان إلى دوره الطليعي لا بد من أن تتناغم عناصر تركيبته بكامل أبعادها لتنصهر في إطار المواطنة التي حرص الطائف على تثبيتها، ودفع اللبنانيين بكامل أطيافهم لجعلها السقف والمظلة التي تحمي وحدة لبنان وعروبته، وليظل هذا التنوع الفريد جملة من الموتيفات المتناسقة التي تميز هذا البلد عمّا سواه، كأنموذج للسلم الأهلي والتعايش السلمي، وهذا ما يتمناه كل مواطن عربي لهذا البلد الشقيق.. على أمل أن تنجح تلك المساعي الخيرة في إنجاز تشكيل الحكومة، وتخليصها من ولادتها المتعسرة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية