الامتلاء بالرحمة!

|
تحلو لي ثقافة الفلاسفة (الرواقيين) فهؤلاء كانوا يمشون في الأروقة في أثينا القديمة ويتناقشون في الهواء الطلق وأنا أفعل نفس الشيء كل يوم، حيث نخرج فنمشي ساعة تنشيطاً للدورة الدموية وتهذيباً للخلق ورشاقة للبدن وتحريضاً للعقل في مناقشات ممتعة. قال لي صديقي أريد أن تقرب لي معنى الإيمان؟ قلت له لقد سألت عظيما! سألت عن أمر مركزي، ولن ندخل فيه من زاوية المتخصصين الذين يحاسبون على كل لفظة، بل سأدخل إليه من زاوية علم النفس الاجتماعي. في اللغة يقولون عن الكفر إنه التغطية، وبهذا جاءت الآية من سورة الحديد (كمثل غيث أعجب الكفار نباته). فالكفر هنا ليس الإيديولوجي، بل عملية دفن البذرة في الأرض، كما يفعل الفلاحون، ثم تغطيتها بالتراب، والزارع الذي يطمر البذرة هكذا يغطيها، أو يكفرها فهو الكافر. ولكن هذا المعنى اللغوي يفيد في المجال النفسي والاجتماعي، والكفر هنا هو فعلاً تغطية لمنافذ الفهم. ومن هنا وصف المؤمنون أنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض في كل حالاتهم. في حين وصف الكافرين أنهم صم بكم عمي فهم لايفقهون ولا يعقلون. ووصف الكافرين أن درجة يبوسة العقل والفهم وصلت إلى قسوة الحجارة أو الحديد أو خلقا مما يكبر في نفوسنا، وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله.قلت للصديق إن المؤمنين الذين يذكرون الله قياماً يتمشون كما نفعل نحن، أو على جنوبهم أو قعودا، ثم يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلاً. وبالمقابل فالكافر هو ذلك الإنسان الذي يغطي ويغلق منافذ الفهم. ختم الله على قلوبهم وسمعهم وعلى أبصارهم غشاوة. فهذه واحدة. وبالمقابل، فإن الإيمان مبني على البرهنة ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به عند ربه فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون. وهكذا فالإيمان مترافق بالبرهنة. وعندما كنت في ألمانيا تناقشت مع راهبة بروتستانتية ففوجئت أنها تقول إن الإيمان لا علاقة له بالبرهنة. أما السيد (شتيج هورست) فقد تعجب مني عندما خلطت بين (أظن) و(أعلم)، وفي اللغة الألمانية تفيد كلمة (جلاوبن GLAUBEN) الظن، وتعني العقيدة الدينية، في حين أن كلمة (فيسنWISSEN ) تعني العلم والشيء اليقيني الأكيد، فلما قلت له إن العقيدة تعني عندي البرهنة واليقين، كان جوابه إذا كنت تخلط إلى هذه الدرجة بين الظن واليقين فهذا شأنك. قلت له ليس الأمر هكذا، بل إن ما أعتقد به في حياتي غير مبني على الظن بل العلم. وهم يقصدون بهذا العلم التجريبي، بمعنى أنهم يريدون أن يخضعوا فكرة اليوم الآخر إلى مقياس تجريبي، بحيث يخرجون الأموات من القبور، بعد أن يلجوها ليخبروهم بتجربتهم الحسية هناك. ولكن طبيعة العلم ليست كذلك، ويجب التفريق بين العلم التجريبي، وقاعدته الفلسفية العقلية، وليس كل العلم هكذا. ويفيض الإيمان من التفكير ليؤثر في التصرفات، وأهمها تدفق الرحمة من القلب. والمؤمن لين مرن فطن كيّس، مثل خامة الزرع، تصرعها الريح حينا، ثم تعدلها أي أن المواجهات والمحن تزيدها نضجا واعتدالاً، ومنحاً للثمرات، أما الكافر فهو مثل الإرزة المجذية يكون انجعافها مرة واحدة كما جاء في الحديث. أي أنها قاسية فقدت المرونة ويظهر عليها القوة، ولكن المرونة ليست في الضخامة أو الثقل، بل الرشاقة وامتصاص الصدمات. وفي علم البناء ثبت أن جامع محمد الفاتح الذي كان فيما سبق كنيسة أيا صوفيا بني على هذا الشرط ، فصمد لكل أنواع الزلازل منذ القرن السادس للميلاد، عندما أفرغ جوستنيان خزينة بيزنطة على بنائه، وما زال حتى الآن يقاوم عمل الزمن. ومن أهم صفات المؤمن امتلاء قلبه بالرحمة، ولذلك جاءت الصفات؛ ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. إن هذه المعاني ننساها أحياناً ويجب أن تنشط كي نفهم الإيمان على نحو حركي، وأن الإيمان حالة نفسية، ويزيد الله الذين اهتدوا. وفي جو رمضان كان صلى الله عليه وسلم يعطي مثل الريح المرسلة ويتعبد حتى تتفطر قدماه.. هل يمكن أن ننتبه إلى وزننا مع دخول رمضان، ومع الخروج أن يكون قد تراجع، ولم ينتفخ المرء فيه انتفاخاً وتكور مثل بالونة!..
إنشرها