الخواطر عند باسكال

|
لا يقرأ الإنسان فكرة اللانهايتين عند باسكال إلا ويقشعر جلده للتعبير الممزوج بين الإيمان والفلسفة وهو أعظم ما يصل إليه الفكر الحر، فيجمع بين خشية الله وعبادته وبين وعي الذات وانطلاقة الروح في الملكوت. في برامج الكمبيوتر يسمع الكثيرون بكلمة (باسكال) ولكنهم لا يعرفون من هو هذا الرجل؟ وماذا ترك خلفه من تراث؟ ولعل الناس لا يعرفون أن بدايات فكرة الكمبيوتر بدأت من عنده، ومن هنا لمع اسمه في عالم الكمبيوتر. لم يترك (باسكال) خلفه الكثير من الكتب وهو دأب كثير من المبدعين، فاسبينوزا لم يترك سوى أربعة، ودارون اثنين، وكوبرنيكوس واحدا، وكانط اثنين مع مقالة التنوير Die Aufklaerung، وشوبنهور واحدا، وأبكتيتوس شذرات من مقالات، أما سقراط فلم يكتب شيئا بل كان يدور في الأسواق يلخبط الأوراق ويعيد تأسيس العقل. كما يجب ألا ننسى ظروف العصر وإمكانات النشر، لأن الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) كان يكتب يومياً ثلاثة آلاف كلمة، وترك البدوي خلفه كتابا. أما باسكال فعاش في القرن السابع عشر، وكان عليلاً تأتيه نوبات من الألم المبرح، ربما كانت من الدوسنطاريا، ولم تكن مادة (البوسكوبان) أو المورفين والمهدئات ومرخيات العضلات معروفة في تلك الأيام، أعني المواد ضد آلام الحشى عموماً، فضلاً عن الصادات الحيوية أو إمكانات التشخيص لأمراض البطن. وحسبما فهمت من قصته فلربما كان الرجل يعاني زحارا مزمنا، وهذا يمكن السيطرة عليه اليوم بكل سهولة، ولكن حظ الرجل أنه ولد في ظروف القذارة والجهل والسحر والمرض والعقائد المتصلبة، وعدم وجود أي قاعدة للطب الحديث، وهذا يفتح الباب إلى قصة تطور الطب عموماً. ويذّكر هذا الرجل بقصة النبي أيوب، فكان يبيت لا يعرف النوم مع اشتداد وطأة الألم، الذي وصفه بأنه كان مطهراً للروح، وكان يدرك أنه لن يعمر طويلاً، ولكنه مع نوبات الألم كان يسهر على المشكلات الرياضية المستعصية!؟ وفي إحدى الليالي انتابته هجمة شديدة من مغص الأمعاء، وحل فيها مشكلة رياضية عويصة حيرت أساتذة الرياضيات يومها، لأن الكمبيوتر لم يكن معروفاً بعد، ولعل هذا الذي جعله يفكر في تطوير فكرة الكمبيوتر. ومعظم الأشياء تبدأ بسيطة قبل أن تتعقد.. هكذا بدأت فكرة الغواصات والطيران وسواها. لم يترك الفيلسوف الفرنسي (باسكال) سوى كتاب واحد اشتهر به هو (الخواطر) Penesse وحاول في هذا الكتاب تسجيل أهم آرائه. وهذا يذكرنا أيضاً بالفيلسوف (سبينوزا) الذي خلف وراءه أربعة كتب فقط، ولكنها كانت محطات عقلية لكل من تتبع مغامرات العقل الإنساني. وكل مفكر له لحظة تجل عبقرية، فيها تنهمر الأفكار بصورة لحظية مفاجئة غير متوقعة، كما يحدث مع الأم الحامل. صحيح أنها تشعر أن بطنها انتفخ، وأن موعد الوضع بعد تسعة أشهر، ولكن ساعة الحمل تبقى معلقة في عالم الغيب. هكذا حصل في ليلة مع شامبليون وديكارت وبوذا وباسكال. وكل منهم وصل إلى كشف الأبعاد النظرية لفلسفته في الحياة. شامبليون فك أسرار اللغة الهيروغليفية وجاءته لحظة أرخميدس فخر صعقاً. وبوذا تحت شجرة التين وصل إلى حالة النيرفانا وهي حالة التوحد مع الكون، والتسليم بعمل القدر مهما كان على أنه خير. أما ديكارت فقد جاءته هذه اللحظة في غرفة معزولة في جنوب ألمانيا ذكر أنه لم ينم تلك الليلة وكاد دماغه يحترق، ووصل إلى منهجه التحليلي. وأتذكر من السيرة أنه لما نزلت سورة الأنعام كانت دفعة واحدة، والرسول صلى الله عليه وسلم على ظهر الناقة إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا.
إنشرها