الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تأملات في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للأزمة في الجنوب اليمني (4)

نصر طه مصطفى
الاثنين 31 أغسطس 2009 7:1

بدأت حكومة ما بعد حرب صيف 1994م تنفذ برنامجا شاملا طويل الأمد للإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية ابتداء من مارس 1995م هدفت منه لأمرين أساسيين الأول هو إنقاذ البلاد من انهيار اقتصادي محتم والثاني استعادة ثقة الدول والمؤسسات الدولية المانحة بغرض الحصول على ما يحتاجه هذا البرنامج من دعم لأنه لم يحظ بأي دعم منها في مرحلته الأولى لأنها كانت تريد التأكد من جدية الدولة اليمنية أولا في تنفيذ برنامج كهذا ولهذا بدأت في مساندة البرنامج منذ عام 1996م ليتوج بأول مؤتمر دولي للمانحين عقد في بلجيكا عام 1997م وليتم إعفاء اليمن في نفس العام من أكثر من 90% من مديونيته من خلال مؤتمر آخر في باريس... وهكذا دخل اليمن في برنامج طويل لتنفيذ عدد من الإصلاحات الاقتصادية في قوانينه لتعزيز منهجية تطبيق اقتصاد السوق، وإصلاحات مالية تتضمن رفع الدعم عن السلع الغذائية والمشتقات النفطية وغير ذلك من السلع التي كانت مدعومة بالكامل في الجنوب وجزئيا في الشمال قبل الوحدة، وإصلاحات إدارية مصاحبة تتضمن وضع سياسة جديدة للأجور مصحوبة بتنفيذ برنامج معقد للتقاعد بغرض تخفيف العبء الوظيفي على الدولة مع إعادة هيكلة لمعظم وزارات وأجهزة الدولة، وعلى أن تستفيد الحكومة من المبالغ المخصصة للدعم في تحسين الأجور من ناحية وتنفيذ برامج مكثفة للتنمية من ناحية أخرى. كان هناك إدراك لدى الحكومة منذ البداية أن عملية رفع الدعم عن السلع ستنعكس سلبا على المواطنين بمستويات مختلفة سواء الموظفين الحكوميين الذين يزيد عددهم على نصف مليون أو المزارعين وأصحاب المهن الحرة والبسيطة وهم الغالبية، لكن في الحقيقة لم يكن هناك إدراك أن الانعكاسات السلبية ستكون أعمق في المحافظات الجنوبية التي اعتادت على مدى ربع قرن على النمط الاشتراكي في العيش الذي يجعل الفرد عالة على الدولة ولا يسمح له بممارسة أي نشاط اقتصادي خاص... وفي انتخابات 1997م حصل حزب الرئيس علي عبد الله صالح على الأغلبية مما جعله يشكل الحكومة منفردا فيما قرر شريكه في الائتلاف حزب التجمع اليمني للإصلاح الخروج إلى صفوف المعارضة لينضم إلى الحزب الاشتراكي اليمني وأحزاب أخرى معارضة قومية وشيعية لتشكل مع مرور الوقت ائتلافا معارضا كان له تأثيره في إعاقة مسار عملية الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية بسبب ما كان يقوم به من تعبئة مضادة للبرنامج لدى المواطنين اليمنيين، وهكذا وجد حزب المؤتمر الحاكم نفسه منفردا في الوفاء بالتزامات برنامج الإصلاحات أمام معارضة قوية لا تحظى بتعاطف الشارع إلا عندما تتحدث عن برنامج الإصلاحات... ولذلك فكلما اقترب موسم لانتخابات محلية أو رئاسية أو نيابية تحجم حكومات الحزب الحاكم عن تنفيذ مرحلة جديدة من البرنامج مما أدى إلى طول مدة تنفيذه من ناحية وإلى أعباء جديدة على الموازنة العامة للدولة من ناحية أخرى بسبب حجم الدعم الكبير الذي تقدمه للمشتقات النفطية والذي يصل حاليا بحسب بعض التقديرات إلى ثلاثة مليارات دولار سنويا أي ما يقارب 40 % من الموازنة العامة للدولة التي تعتمد في مواردها على صادرات النفط بنسبة 85 % وهو ما يعتبره المانحون مشكلة كبيرة في الحالتين حالة الدعم وحالة الاعتماد شبه الكلي على النفط الذي يتراجع مخزونه باطراد كبير... وبحسب تقديرات خبراء اقتصاديين فإنه كان من المفروض الانتهاء من تنفيذ برنامج الإصلاحات كاملا قبل سبع أو ثماني سنوات لكن المماحكات السياسية والحسابات الانتخابية أدت إلى تأجيل وراء آخر سواء على صعيد الإصلاحات السعرية أو الإصلاحات الإدارية أو الاقتصادية... واليوم وبعد التحركات الغاضبة في الجنوب تجد الحكومة نفسها أكثر حذرا في تنفيذ المرحلة الجديدة من الإصلاحات خشية تفاقم الأزمة، إذ يقول بعض خبراء الاقتصاد إنه ما لم يكن هناك رؤى واضحة بالنسبة للاتجاهات الذي ستذهب إليها المبالغ المخصصة للدعم في حال رفعها فإن المشكلات ستزداد تعقيدا ليس في المحافظات الجنوبية فحسب بل في المحافظات الشمالية الأكثر سكانا وحيث ارتفع خط الفقر ليشمل أكثر من 35 % من السكان في سائر أنحاء البلاد! وفور التحسن النسبي للأوضاع الاقتصادية منتصف التسعينيات قرر الرئيس علي عبد الله صالح توجيه معظم مخصصات التنمية للمحافظات الجنوبية التي كان يدرك ويدرك جميع اليمنيين مستوى الحرمان الذي كانت تعانيه في العهد الاشتراكي في جانب الخدمات من حيث شح المدارس والمستشفيات والكهرباء والاتصالات والطرق والجامعات وغير ذلك، ولهذا يمكن القول إن هذه المحافظات شهدت نهضة غير مسبوقة في كل تلك المجالات وغيرها وبلغت نسبة المخصص لها حوالي 60 % رغم أن نسبة سكانها لا تزيد على 20 % من إجمالي سكان اليمن حتى قيل إن محافظة حضرموت هي أول محافظة تكتمل بها شبكة الطرق... وإلى جانب ذلك فقد اندفع كبار رجال الأعمال من أبناء المحافظات الشمالية للاستثمار في هذه المحافظات فأقيمت عشرات المصانع كما اندفع صغار المستثمرين منهم كذلك لفتح مشروعات صغيرة فيما كان الإعمار يتوسع بشكل ملحوظ... واحتشد عشرات الآلاف من أبناء المحافظات الشمالية ذات الكثافة السكانية للبحث عن فرص عمل في المشروعات الجديدة والبحث عن أبواب للرزق، وحدث اندماج اجتماعي وتشابك غير مسبوق في المصالح الاقتصادية لم يعرفه اليمنيون من قبل. رغم كل ذلك لم ينتبه أحد لعمق الأزمة الاجتماعية التي كانت تعتمل في المحافظات الجنوبية، فمعظم أبنائها اعتادوا العمل مع الدولة التي توفر لهم الوظائف فيما لم تتمكن أجهزتها من استيعاب كثير من الخريجين الجدد، كما أن ارتفاع الأسعار صنع مشكلة أخرى لدى طبقة الموظفين (مدنيين وعسكريين) وخاصة من خرج منهم للتقاعد، كما أن عمليات الخصخصة التي تمت لعديد من مصانع القطاع العام أحدثت مشكلة أخرى عبر رفض الذين اشتروها استيعاب آلاف الأيدي العاملة التي كانت تعمل فيها، وتوالت المشكلات حتى وصلت ذروتها في عام 2005م عند تنفيذ مرحلة جديدة من الإصلاحات السعرية وتنفيذ الإستراتيجية الجديدة للأجور.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية