التحقيق الصحافي الذي نشرته "الاقتصادية" الخميس السادس من رمضان الجاري .. حول العمل الخيري في المملكة، يكشف عن عمق الهوة بين الواقع والمأمول، حيث كشف التحقيق الذي أخذ منطقة المدينة المنورة كعينة أن هنالك أكثر من 20 ألف أسرة في المدينة المنورة وحدها تعيش تحت خط الفقر، وتأخذ احتياجاتها شهريا من المستودع الخيري هناك على هيئة سلال غذائية بسيطة قوامها الأرز والسكر والدقيق وزيوت الطبخ. وأشار التحقيق إلى أن هنالك طوابير طويلة تنتظر دخولها قائمة النفقات الشهرية، وعاب بعض مَن استطلعت آراءهم من المهتمين بالعمل الخيري على بعض الجمعيات افتقارها لتطوير الأداء، وغياب الخطط التي تستهدف إعادة تأهيل تلك الأسر، وتحويلها إلى أسر مكتفية، وقال أحد المتخصصين الذي طالب بضرورة إعادة هيكلة الجمعيات الخيرية لرفع مستوى أدائها: إنه من المؤسف أن يكون لدينا 400 جمعية خيرية لا يكاد يبين منها سوى عدد قليل استطاعت بفضل وعي القائمين عليها أن تطور ذاتها، وأن تنتقل من خانة المطاعم المجانية حسب وصف التحقيق إلى خانة الجمعيات الفاعلة التي يتمحور دورها على الأخذ بيد تلك الأسر لتكون أسرا منتجة قادرة على تأمين حياتها الكريمة.
وفي جانب آخر، تناول التحقيق ثقافة التطوع، والتي اتفق الكثيرون على ضرورة بثها مجددا من خلال التوعية في الصفوف الدراسية لإعادة تأسيس الوعي بأهمية هذه الثقافة وفق فكر احترافي، يستطيع أن يحرك العمل الخيري من دور الكفالة المستمرة بما يسد الرمق وحسب، إلى دوره الطليعي الذي ينبني على ترقية كل الأسر المحتاجة لتكون قادرة على مواجهة استحقاقات الحياة الكريمة اعتمادا على ذاتها.
وإذا كان هذا التحقيق قد كشف بعض مواجع هذه الجمعيات التي لو عملت بنصف الطاقة المقدرة لها لأمكنها أن تسد باب الفقر إلى ما لا نهاية، فإن التجربة التي خاضها الأمير عبد العزيز بن سلمان المشرف العام على جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية، وأثبتت فاعليتها في تحويل العمل الخيري في مضمار أمراض الكلى، وتحويله إلى عمل مؤسسي منتظم وبأقل التكاليف والعناصر البشرية، تؤكد أن قضية العمل الخيري لا تحتاج لما هو أكثر من وجود إدارة مستنيرة تعرف كيف تستفيد من كافة الطاقات كل في مجال اختصاصها، وضمن دائرة حضورها الاجتماعي أو الرسمي لتوظفها لصالح المشروع، بعيدا عن اللجان والعمل التنظيري الذي يأكل الوقت والجهد والمال دون أن يُنجز شيئا يُذكر.
ما قدمه الأمير عبد العزيز بن سلمان في تجربته، هو أنه استطاع أن يدير الجمعية بعدد من العناصر لا تتجاوز أصابع الكفين، لكنه انحاز إلى العمل الاحترافي المبني على خطط استراتيجية واضحة ومحددة، أو ما يسمى الإدارة بالأهداف، بحيث تجاوز كل الأنماط التقليدية التي كان يُمكن أن تجعل الجمعية مجرد وسيط بين من يدفع ومن يستقبل، ليجعل الجمعية جزءا من منظومة متناغمة تعمل مع المهتمين كافة بهذا الجانب وفي طليعتهم وزارة الصحة التي وجدت في هذه الجمعية الناشطة والنابهة ما يخلصها من براثن الروتين الإجرائي، وليس هذا فحسب، وإنما امتد العمل إلى أبعاد أخرى لتتحول جمعية الأمير فهد بن سلمان إلى داعم للأبحاث والمؤتمرات العلمية.
إن إعادة هيكلة القطاع الثالث أصبحت ضرورة ملحة، أولا لحماية هذا القطاع ممن يستظل باسمه لجمع الأموال لأهداف غير مشروعة، كما حدث أخيرا بعد الكشف عن استغلال عاطفة الناس من قبل العناصر الضالة لتمويل الإرهاب، وثانيا: من أجل رفع كفاءة أداء العمل الخيري الذي لا يتساوى حجم ما ينفق عليه من الدولة ومن المحسنين ومن المواطنين مع دوره في تقليص مستوى الفقر، على أن تأخذ هذه الهيكلة الجديدة معالجة مسألة ثقافة التطوع وتنمية الفكر الاحترافي في العمل الخيري كما أشار التحقيق من أجل إعادة بناء هذه المؤسسات المهمة بما يتفق وما يأمله المجتمع منها.
