كان نجاح السناتور الأمريكي جيم ويب، الذي يرأس اللجنة الفرعية المتنفذة المنبثقة عن مجلس الشيوخ حول العلاقات الخارجية وشؤون آسيا ومنطقة الهادئ، في تأمين الإفراج عن محارب فيتنام السابق، الزميل المضلل، جون يتاو من سجن انسين في رانجون، كان هذا النجاح خبرا احتل العناوين الرئيسة، وزيارة السناتور المثيرة إلى بورما اتصفت دون أي شك بنتيجة مرتبة سلفا، ويجب رؤيتها على حقيقتها – جزءا من "حملة الانخراط في الحديث، صوابا أو خطأ، التي تطلق من قبل منظمات إنسانية وتنموية غير حكومية بأجنداتها التنظيمية الخاصة بها، ومصالحها التجارية، تنفذ من خلال متخصصين في السياسة لا يخضعون للمساءلة بخبرة ضئيلة أو غير حيوية في القمع و/ أو الفقر.
وهذه الإشارة التحذيرية مني قد تكون مفاجئة، مع النظر إلى أنني كنت أول منشق بورمي انتهج استراتيجيات الانخراط في الحديث، بما يثير سخط المعارضة الرئيسة واونج سان سو كاي نفسها، بعد التساؤل العلني عن الحكمة التقليدية لسياسة المعارضة الرئيسة حول علاقات البلاد الخارجية والسياحة والتجارة والتنمية عندما تحولت إلى عقيدة عقوبات.
وأنا الآن أرى ظهور لوبي جديد يضغط استراتيجيا وبشدة من أجل سياسة "الانخراط في الحديث سواء كان صوابا أو خطأ". وفي الوقت الذي أعتبر نفسي فيه من "المنخرطين في الحديث"، فإن زملائي المنخرطين أخذوا يصبحون، حسب رأيي، مغالين في إخلاصهم في التحليلات الوعظية، ففي ضغطهم الحماسي لتوجه غربي جديد، فإنهم يبنون استراتيجياتهم على شواهد ضعيفة وأسس تحليلية مهزوزة.
وهناك خمس حقائق أساسية تحتاج بشكل مطلق إلى أن تؤخذ في تصور توجه أكثر كفاءة للمساعدة في إثارة عملية تغيير حقيقي هناك.
أولا: على عكس حديث الإعلام والسياسة الحالي الذي يصور النظام البورمي بأنه "معزول" وليس الجيش البورمي أو المجتمع البورمي أنه معزول عن عالم ما بعد الحرب الباردة، فكيف يمكن لنظام يتلقى الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي القوي من عمالقة العالم بما فيهم – روسيا والصين والهند إضافة إلى عدد من الحكومات الآسيوية بأهداف مختلفة التي تحظى أيضا بانخراط اقتصادي كامل مع صناعة استخراج الثروات الطبيعية العالمية بأكملها، من شركات الغاز والنفط والتعدين من أستراليا، كندا وفرنسا، إيطاليا وأمريكا، أن يكون معزولا.
إن النظام كان ذكيا جدا في دخول العملية التي تصفها زميلتي في كلية الاقتصاد في لندن، ماري كالدور، "بالعولمة الارتدادية" التي تؤذي المقموعين والمسحوقين، بينما تقوي الحكم القمعي للأنظمة الاستبدادية عالميا. والقضية المهمة أن هذا يجعل عملية العولمة تنجح بالنسبة للناس، وليس لحفنة من الجنرالات الذين ينتهجون طرق الإنسان الأول وقواعدهم الاقتصادية والعسكرية، ومجرد الزيادات في الاستثمار الغربي المباشر والسياسات الغربية الرامية إلى حفز النمو الاقتصادي لن تفعل أي شيء لتغيير هذه المعادلة.
ثانيا، وداخليا فإن الدولة في بورما ضارية وعسكرية واستعمارية بالنسبة لأولوياتها السياسية وممارساتها المؤسسية، ونظرتها المؤسسية للعالم وثقافتها القيادية إقطاعية جدا.
والدولة في أيدي الجنرالات منذ عام 1962 تفرغ البلاد من كل الثروات الطبيعية القابلة للتسويق، وكثير مما يحدث موجود في الأراضي الموروثة عن الأسلاف لأقليات عرقية والجنرالات لا يقومون فقط بمصادرة مساحات كبيرة من الأرض فهم يأخذون العمال من عدة جيوب من السكان، ويعتبرون السياسة امتدادا للحرب والعمليات العسكرية، وليس العكس.
ودستور النظام يشرعن فقط، وإن يكن داخليا، الفروق الاستعمارية الموجودة فعلا بين الجيش والمدنيين والأقليات العرقية الأصلية.
ثالثا: إن التصور الذاتي للقادة العسكريين إقطاعي وأبوي جدا إلى حدّ الخطأ: فالضباط، كبارا أو صغارا، يطلبون من مرؤوسيهم أن يطلقوا عليهم " الأب الكبير" أو "الأب الصغير" وليس "الجنرال الكبير أو الصغير". والجنرالات يرون أنفسهم في قالب الملوك "البوذيين" المحاربين من قرون سابقة والذين وصلوا إلى السلطة – في حمامات دم وفتوحات عسكرية في العادة – وهم ممجدون بشكل يفوق الحد في التاريخ البورمي الوطني.
وبالنسبة لقادة بورما العسكريين فإن التقيد بالعطلة البوذية في مناسبات خاصة أو التأمل في الحياة القادمة، وإصدار أمر للجنود أن يذبحوا مدنيين غير مسلحين أو تنفيذ خطط عملية لتقطيع الأوصال، لا تتصف بأي تناقضات أخلاقية.
رابعاً، إن وجهة النظر العالمية للشركات بين سلك الضباط تنادي بتدخل الدولة بشكل مباشر. وبعد أن وضعوا قبضتهم على جميع أجهزة الدولة في بورما، فإنهم يحتضنون فكرة التأييد للحكم الاستبدادي لسيادة الدولة، التي تنطوي في واقع الأمر على كون رئيس الدولة هو صاحب السيادة وليس الشعب. والنتيجة هي جيش يخدم القائد السيادي، ولا يشعر بالحاجة إلى المصالحة مع أية مؤسسة أخرى في البلاد – ليس حتى مع القطاع الأكثر قداسة من المجتمع البورمي بشكل عام، وعلى الأخص الرهبان البوذيين.
في حين أن المعارضة والعالم بأكمله، بمن فيهم مؤيدو النظام مثل الصين، والهند، وآسيان، يدفعون جميعهم باتجاه "المصالحة" في المجتمع البورمي، إلا أن القوات العسكرية في مجملها، وليس كبار الجنرالات فحسب، تعمل ضمن نطاق نموذج "المصالحة الوطنية"، وهو تعبير لطيف لدمج قوتهم العسكرية ضمن الحدود الوطنية لفترة ما بعد الاستعمار. ولا يوجد حل وسط مع أية جهة معارضة – ليس فقط مع خريجة أوكسفورد، أوانج سان سو كاي، أو المنشقين المدنيين، أو مع النظام البوذي المقيد بالتقاليد.
خامساً، كانت تحدث أزمة إنسانية، وسياسية، واجتماعية اقتصادية في بورما، وهي نتيجة مباشرة للسياسات والممارسات، وفوق كل شيء، نتيجة القيادة العسكرية. ومما لا شك فيه أن رفاه الجمهور بشكل عام لا يندرج حتى ضمن أعلى خمس أولويات للسياسة الخاصة بالحكم العسكري الحاكم. وتكشف أفعال الجنرالات، وليس كلماتهم، كثيرا عن مواقع مخاوفهم وأولوياتهم.
ابتداء من اللحظة الراهنة، فإن النظام يسكب ما يزيد على عشرة مليارات دولار أمريكي، وفقاً لأحد المراقبين في البلاد، في مشاريع تسليح هائلة، تقليدية وغير تقليدية، في 22 موقعاً مختلفاً مبعثرة في شتى أرجاء البلاد، بمساعدة فنية من روسيا، وكوريا الشمالية والجنوبية، والصين، وسنغافورة. ويعد مشروع بناء ما يراوح بين 600 و800 نفق بمساعدة من كوريا الشمالية، ومحاولة امتلاك تكنولوجيات عسكرية مختلفة من القوة النووية المارقة ذاتها، مثالين فقط من بين عديد من المشاريع الثمانية التي تحول الموارد المالية، والطبيعية، والبشرية للبلاد، بعيداً عن الاستثمارات الإنتاجية الاقتصادية، أو خدمات الرفاه الاجتماعي.
أثناء الدفع باتجاه تغيير سياسي حقيقي، والتحسين الاقتصادي، خاطر قرابة 2100 منشق – وتلقوا – عقوبات بالسجن مطولة (إلى ما يزيد على 100 عام). وفي واقع الأمر، فإن مئات الآلاف فقدوا حياتهم، أو حياة عائلاتهم، ويتعرض مزيد من الملايين إلى الفقر المدقع، والعنف المباشر والشامل، والاغتصاب إذا تصادف أن ولدوا في القرية سيئة الحظ في مناطق الحرب في البلاد، وكل ذلك هو نتيجة مباشرة للسياسة الشاملة للقوات العسكرية، وإخفاقات القيادة. وقمت شخصياً برحلات شاقة في أرجاء مناطق الحرب في شرق بورما، وبقيت مع مقاتلي المقاومة المسلحين في عمق تحصينات خطوطهم الأمامية داخل "خطوط العدو". وكنت شخصياً شاهداً على فظاعة وعدم استقرار حياة الأقليات من الكارين والأقليات الأخرى المجاورة، الموجودين بين مخالب القوات العسكرية البورمية الوحشية والمتفوقة، والمصالح التجارية التايلاندية والصينية التي تسعى إلى الحصول على الثروات الطبيعية في مواقع جغرافية مهمة على الصعيدين التجاري والاستراتيجي.
إن مشكلات بورما معروفة للغاية، والأعمال الوحشية موثقة جيداً. وأحدثت حملة العقوبات التي تمت صياغتها على عجل قبل 20 عاماً – وكنت جزءاً منها – اعتماداً على افتراضات خاطئة، ونماذج من التغير الاجتماعي، حالة بقي فيها السكان في الفقر والقمع. والدفع الآخر الذي تمت ممارسته على عجل، بسبب الذرائع الثورية، لوضع القوات العسكرية في مقعد القيادة باتجاه إصلاحات حقيقية، على الرغم من فشلها المذهل لقرابة نصف قرن من الزمن في البناء الوطني، من شأنه أن يرسخ القوات العسكرية في السلطة والسياسة على نحو أكثر. ويحتاج منهج الأعلى – الأسفل باتجاه المشاركة إلى أن يأخذ في الحسبان الأساسيات التي جاء ذكرها أعلاه، والتفكير في كيفية المشاركة مع جميع مستويات المجتمع، والنظام الاقتصادي، والقوات العسكرية.
أن نقول إنه لا توجد عصا سحرية، أو رصاصة فضية لمعاناة بورما ما هو إلا كليشيه يتم ترديده. وبصفتنا محللين، وباحثين، وأفراد مجموعات ضاغطة، في بحثنا عن سياسات الظل، فمن الأهمية بمكان أن نكون حذرين لكي لا نسفه تضحيات البورميين المنشقين التي قامت على المبادئ، ومعركتهم الحادية عشرة من أجل وجود بورما أفضل وأكثر إشراقاً، وفوق كل ذلك، اعتبار عمليات القمع ضد الشعب البورمي العادي أمراً تافهاً.
