الجمعة, 25 سبتمبر 2026|12 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في العقدين الأخيرين أصبحت العزلة من خلال ''العقوبات'' التأديبية، المعاكسة للانفتاح عن طريق ''الانخراط في المحادثات'' عبارة طنانة تسم الجدل حول كيفية التعامل مع النظام العسكري المغالي في قوميته وغير المهادن في ميانمار (مجلس السلام والتنمية الحكومي).

وهذان التوجهان لا يشتركان في الأهداف نفسها, ويدور الجدل حول ثنائية تضم في أغلبية الأحيان الوسائل والغايات. وفي الحقيقة فإن كلا التوجهين أصبحا يستجيبان بشكل متزايد للأحداث المحلية (التي يبادر بها النظام أو المعارضة) والتي يمكن أن تثير استجابات قريبة من السلوك الأحادي القطبية، وهذا أدى إلى مآزق، بينما يظل مواطنو ميانمار غارقين في مستنقع الفقر والمصاعب.

وكل الذين يقال إنهم يتمنون تحسين الظرف الإنساني في ميانمار يبدو أنهم منقسمون في هذين المعسكرين المتعارضين، لا يستطيعون الاتفاق حول كيف يتعين على المجتمع الدولي أن يحقق تغيرات إيجابية لضمان السلام والازدهار والعدالة في هذا البلد المتعدد الديانات والمتعدد الأعراق.

إن أمريكا والاتحاد الأوروبي ومعظم الديمقراطيات الغربية تفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية وحظراً على الأسلحة وتدابير نابذة بلا محاكمة للضغط على النظام العسكري لقبول معاييرهم حول حقوق الإنسان والديمقراطية, بما فيها المحاولات الفاشلة لطرح قضية ميانمار أمام مجلس الأمن الدولي. والهدف، من حيث الجوهر، ''تغيير النظام'' نحو ''ديمقراطية ليبرالية'' ومن ناحية أخرى، فإن أعضاء رابطة بلدان جنوب شرق آسيا (آسيان)، كانوا ينخرطون ''بشكل بناء'' مع النظام من خلال التجارة والاستثمارات ''والدبلوماسية الهادئة'', وموقف آسيان الجماعي يقوم على ''عدم التدخل'' في الشؤون الداخلية لميانمار. وحاولت استمالة سلطات ميانمار في محاولة ترمي إلى تقريبها من معايير آسيان وممارساتها، تشجيع الانفتاح وإثارة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية دون الدعوة إلى تغيير كبير في الموقف المسيطر للجيش.

ويبدو أن الصين والهند وروسيا غاضبة في هذا الجدل وهي تثير في العادة مبدأ عدم التدخل وتؤكد ''سيادة'' ميانمار، مع إقامة علاقات أوثق بشكل متزايد من خلال المساعدات والتجارة والاستثمار.

وبالنسبة لمثل هذه الدول ''الصديقة'' فإن المصالح الوطنية التي يحركها تفاعل الاعتبارات الاستراتيجية والجيوسياسية والتجارية تشكل عاملاً أوضح من الهواجس المثالية أو الأخلاقية. وإضافة إلى ذلك، جرت محاولات كثيرة غير مجدية باستخدام المساعي الحميدة للأمين العام للأمم المتحدة على شكل وفود خاصة ومبعوثين بارزين للضغط من أجل مصالحة وطنية بين المساهمين السياسيين من خلال الحوار والنقاش، وقضية ''السجناء'' السياسيين ولا سيما سجن زعيمة المعارضة البارزة داو أونج سان سو كاي تبدو كبيرة دائماً في الجدل مع الطبيعة غير الليبرالية للترتيب الدستوري لمجلس السلام والتنمية التابع للدولة التي يراها النقاد أنها إدامة لهيمنة الجيش.

ومن الظاهر أن كل التوجهات فشلت أمام الموقف غير المهادن لمجلس السلام والتنمية التابع للدولة في التحكم في طبيعة ووتيرة ووجهة التحول المعلن عن الحكم العسكري.

عند هذه المرحلة، حيث أسس مجلس السلام والتنمية الحكومي دستوراً من خلال استفتاء شعبي مثير للجدل، ووعد في الوقت ذاته بإجراء انتخابات جديدة بحلول عام 2010، وأن تراجع إدارة أمريكية جديدة سياسته الخارجية، فإن البعض رأى فرصة لإزالة العائق بشأن مستقبل ميانمار. وإن الدعوات للمشاركة، ورفع العقوبات، زادت حدة مع الزيارة الناجحة كما يبدو للسيناتور الأمريكي جين ويب (وهو ناقد للعقوبات الأمريكية)، التي نتج عنها إطلاق سراح الأمريكي الذي تمت إدانته أخيراً، جون ييتاو (لزيارته بشكل غير قانوني داو أونج سان سو كاي التي تخضع للإقامة الجبرية)، واجتماع نادر مع الرئيس العام الأعلى لمجلس السلام والتنمية الحكومي، ثان شوي، فضلاً عن زيارة داو أونج سان سو كاي.

على أية حال، فإن الحقيقة ذاتها أن داو أونج سان سو كاي تبقى قيد الاعتقال، إضافة إلى أكثر من ألفي ''سجين سياسي''، والإدانة واسعة الانتشار بين المجتمع الدولي فإنه كانت هناك كذلك دعوات محمومة من جانب معسكر المعارضة لفرض عقوبات ''أذكى'' و''أشد''، مجادلة بالقول إن رفع العقوبات سيماثل مكافأة ''السلوك السيئ''، والاستسلام الكلي. وفي حقيقة الأمر، فإن الاتحاد الأوروبي أدخل حديثاً تدابير مقيدة على المزيد من الأفراد والمؤسسات المرتبطة بالنظام، على شكل منع السفر، وتجميد الموجودات.

في ظل هذه الظروف، فسيكون الأمر أكثر واقعية بالنسبة لمعارضي المشاركة من حيث النظر إلى ما هو أبعد من مجرد رفع العقوبات، والاستكشاف على نحو جدي لأنماط وتسلسل المشاركة، وتحديد أصحاب المصالح، والوكالات والمؤسسات التي يجب المشاركة معها، والوسائل المحتملة لتناولها. ويجب عدم استبعاد الوكالات الحكومية (على سبيل المثال في الزراعة، والمواشي، ومصانع الأسماك، والري، والرفاه الاجتماعي، والعمال، والقوة البشرية)، ومنظمات الغونغوز GONGOs (أي المنظمات غير الحكومية التي تخضع لتنظيم حكومي، مثل الصليب الأحمر في ميانمار، وغرف التجارة، والأكاديميات الوطنية، والاتحادات المهنية الأخرى). ويجب أن تكون الأهداف، والنتيجة المرغوبة لأي مشاركة، واضحة منذ البداية. ويجب الأخذ في الحسبان مجموعة من هياكل السلطة، والكيانات المؤسسية، ومجالات الخلاف الأخرى، بعناية تامة عند صياغة بنود الاتفاق. والأهم من ذلك، فإن مبدأ ''عدم الإضرار'' يجب أن يكون الدليل الكلي لأية مشاركة.

بداية، على المجتمع الدولي أن يستغل النية الحسنة غير المسبوقة التي تم تأسيسها خلال الجهود الدولية التي بذلت لمساعدة ميانمار في التغلب على التأثير المدمر لإعصار نرجيس الذي ضرب البلاد في أيار (مايو) 2008، والتفكير جدياً بمشاركة قطاعية متعددة تركز على التحديات الإنسانية التي واجهتها الحكومة.في غضون ذلك، على الولايات المتحدة أن تقود المشاركة المتجددة من جانب الغرب، لتمهيد الطريق أمام التقارب الحتمي. وفي مراجعتها للسياسة بشأن ميانمار، ربما تأخذ إدارة أوباما في الحسبان: مخاطبة ميانمار باسمها الرسمي بدلاً من تسميتها ''بورما''، وإعادة التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء، والتوضيح أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام، والتوقف عن منع المساعدات التي تقدمها المؤسسات المالية متعددة الأطراف، والبدء في تقديم المساعدة الإنسانية والفنية في قطاع الصحة، والتعليم، والرفاه الاجتماعي، بالتنسيق مع القطاعات العامة والخاصة، وإزالة ميانمار من ''القائمة الرئيسة'' ''للبلدان التي تم تحديدها بأنها ناقل رئيس للمخدرات، أو قائمة البلدان الرئيسة المنتجة للمواد غير القانونية''، واستئناف المساعدة المناهضة للمخدرات. في الوقت ذاته، يجب التأثير في مجلس السلام والتنمية الحكومي، بشأن الحاجة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لإثبات جديته في تطبيق إصلاحات السياسة التي من شأنها أن تجلب العدالة والازدهار إلى الشعب. ويمكن أن يستتبع ذلك ضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة تسمح بمشاركة جميع الأطراف المعنية، ووجود نظام اقتصادي أكثر انفتاحاً، وثباتاً، وشفافية، واستقبال أعلى درجة بكثير للمساعدات الخارجية والمشورة بشأن نطاق واسع من القضايا الاجتماعية الاقتصادية.

إن الأمل يكمن في ما إذا تم إنجاز الأعمال محلياً بشكل مناسب، فإن المشاركة المحسوبة ستقلل من التكاليف (البشرية، والمادية، والمالية) لعملية انتقال ميانمار من الحكم العسكري إلى شكل أكثر تعددية من التمثيل الانتخابي.

منتدى الاقتصادية 2026