في المقالة السابقة ألقينا الضوء على الحياة الجميلة التي منحها الله لنا على كوكب الأرض، هذا الكواكب الأشبه بالزمردة الزرقاء الأنيقة التي تدور حول الشمس ضمن كواكب المجموعة الشمسية التسعة داخل المجرة في هذا الكون الهائل المترامي الأطراف الذي لا حدود له، وتتميز الأرض عن تلك المجموعة بوجود الحياة بجمالها واعتدالها ومقوماتها من مياه وهواء وتربة ومخلوقات لا تحصى وجمال رائع لا يكاد يوصف، بينما نجد بقية المجموعة الشمسية مثل عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل إلخ.. نجدها لا تطاق إما شديدة الحرارة وإما شديدة البرودة، فمثلاً درجة حرارة الزهرة (464)ْ أما زحل فتصل درجة البرودة إلى (- 140)ْ بينما درجة حرارة الأرض لا تزيد على (15)ْ، والمجال لا يتسع لذكر ميزات الأرض الأخرى عن تلك المجموعة وخاصة في كثافتها وجاذبيتها وبعدها عن الشمس وعدد أيام السنة وساعات اليوم، فانظر عظمة الخالق ودقته في أن ذلل لبني البشر الأرض دون غيرها وجعل بيته عز وجل فيها وأكرم الإنسان ورزقه من الطيبات وفضله كثيراً على من خلق وأبدع السموات والأرض، فبعداً وويلاً لمن يفسد في الأرض بعد أن أصلحها الله لتكون لنا منبتاً وحياة وإليها نعود تارة أخرى. ثم لفتنا الانتباه في نهاية المقالة السابقة إلى واجبات الإنسان وحقوقه في رمضان المبارك، وكيف أن ذلك الشهر عبارة عن جامعة إيمانية عظيمة فيها كليات متعددة لكثير من مكارم الأخلاق من أهمها (التقوى) و(الصبر) و(الأيمان) و(الرحمة) و(الكرم) إلخ.. ويتدرب المسلم في كل تلكم الكليات فتتهذب روحه ونفسه وعقله وجسمه فيصبح رقيق المشاعر رحيما بإخوانه كريما معهم وخاصة الضعفاء والمساكين والفقراء ومستحقي الزكاة والصدقات، وكلما ازداد حرصه على الصيام والقيام إيماناً واحتساباً قبل الله كل ذلك منه وأثابه فزاد صبره وحلمه وقراءة القرآن وتدبره وأصبح أكثر حرصا على التسامح مع من ظلمه أو أساء إليه، وكل هذه الصفات ترجع ثمارها للفقراء والمساكين والمستحقين بكل فئاتهم ودرجاتهم، وبالتالي فإن حقوق الإنسان تحترم وتؤدى لهم في هذا الموسم العظيم رمضان، ولعلنا نعدد ما استطعنا حصره من مميزات لرمضان وفضل متميز على بقية الشهور ليكون كل ذلك حافزاً للمسلمين لمساعدة المستحقين وعدم تجاهلهم، والميزات هي: 1- تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب جهنم، 2- يعتق الله تعالى أعداداً كبيرة من خلقه من النار، 3- يتضاعف الأجر عشرات المرات، 4- يتقبل الله تعالى دعاء الصائم وخاصة عند إفطاره، وله فرحه عند لقاء ربه، 5 - يصلي الله وملائكته على المتسحرين، 6- من صام رمضان إيماناً واحتساباً أو قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، 7- العمرة إلى بيت الله الحرام تعدل حجة، 8- الله جل جلاله اختص بثواب الصائمين، 9 - تكبل مردة الشياطين في رمضان، 10- يدخل الصائمون من باب الريان في الجنة دون غيرهم، 11- كما اختص الله رمضان بكثير من الخصائص منها: أ- ليلة القدر، - و(نزول القرآن وجميع الكتب السماوية الأخرى في رمضان على إبراهيم، موسى، داود، عيسى) عليهم أفضل وأزكى السلام، ب - كثير من الانتصارات الكبرى والفتوحات كانت في رمضان مثل (غزوة بدر الكبرى)، (فتح مكة المكرمة)، (معركة عين جالوت)، وفي العصر الحديث: جـ - (توحدت الحجاز ونجد تحت اسم المملكة العربية السعودية في 7 رمضان 1351هـ)، د- (في 10 رمضان 1393هـ كانت حرب رمضان (16 أكتوبر) التي انتصر فيها الجيش المصري على جيش العدو الإسرائيلي وتم عبور قناة السويس وهدم جدار بارليف) هـ - انفصلت باكستان عن الهند في 27 رمضان 1366هـ - 14/8/1974م وأصبحت دولة مستقلة إسلامية كبرى.
وبعد كل ذلك دعونا نسمع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يتحدث عن فضل رمضان في كلمات موجزة بليغة وحكيمة: (أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله)، وكفى بمحمد صلى الله عليه وسلم قائداً ومعلماً. وهكذا نجد في رمضان بالنسبة لواجبات وحقوق الإنسان مرتعاً وموسماً عظيماً يتعلم ويتدرب المسلمون على أداء واجباتهم والالتزام بحقوق إخوانهم المستحقين، ويشجعهم الإسلام بكثرة الحوافز والأجر والثواب العظيم والمغفرة والرحمة بدون حدود، ليس ليلتزموا فقط في رمضان بل وفي كل الشهور ذيذوقون طعم الإيمان فيه فلا يسلونه، ولعلنا نعتبر رمضان مناسبة عظيمة لنشحن فيه أنفسنا بالإيمان والتقوى خاصة وبقية مكارم الأخلاق التي ذكرنا حتى نخزن طاقة تمنعنا بعونه تعالى من مساوئ الأخلاق وخاصة الحسد والكبر والظلم والكراهية والأنانية، ونمارس تلك المكارم قولاً وعملاً في رمضان أولاً ثم في بقية الشهور حتى تصبح لنا عبادة ثم عادة، والحسرة على الأشقياء الذين يغتالون رمضان بكثرة النوم وقلة الإنتاج في النهار والسهر في الملاهي في الليل والتبذير في المآكل والمشارب والغضب والحمق والبخل في رمضان متجاهلين كل تلكم المميزات والفضائل التي تقلدها رمضان. نسأل الله أن يهديهم إلى سواء السبيل، وفي الحلقة القادمة (84) نعود للحديث عن الآراء التي تسعى لتعزيز وحماية البيئة من التلوث، لكننا سنظل بعونه تعالى نتوج كلماتنا في رمضان بما له صلة بواجبات وحقوق الإنسان في ذلك الشهر الفضيل.
