يمضي معظم الناس في البلدان العربية ثلث وقت العمل في الطرقات، نتيجة الاختناقات المرورية، وانسداد شرايين المواصلات داخل المدن، وتنفق إدارات المرور وتنظيم السير الكثير من الجهود في محاولة فك لوغاريتمات حركة السير اليومية دون أن تصل إلى حلول جذرية. في المقابل وكالات السيارات تضخ كل يوم مئات السيارات إلى الطرقات فيما تلجأ العمالة الوافدة ورقيقو الحال إلى إعادة ترميم المركبات المهترئة وإعادتها مجددا إلى سوق الحركة لتزيد العبء الثقيل أصلا على الشوارع والطرقات.
في مدن كالقاهرة مثلا أو الرياض أو بيروت أو جدة أو دبي يكاد الحديث عن الاختناقات المرورية يكون هو الحديث الموازي تماما للحديث عن الطقس بعدما صار سمة عامة لمختلف العواصم والمدن الكبرى، ورغم كل ما يتم بناؤه من الجسور والأنفاق.. والطرق السريعة إلا أن السير فيها بات يشبه المشي على الحبال مع ما تقتضيه هذه الرياضة من الحذر وحفظ التوازن.
الشيء الغريب أن هذه الاختناقات التي يفترض أن تحدث فقط فيما يسمى أواسط المدن بحكم طبيعة التخطيط القديمة وضيق الشوارع، إلا أن امتدادها إلى الطرق الدائرية والشوارع الحديثة.. يعني أن هنالك خللا في التخطيط وفي هندسة المرور أيضا. وهنا يجب أن نتوقف عند هندسة المرور، وطريقة بناء نظم الحركة بين الشوارع والميادين وقياس مدى انسيابيتها.. حيث يكاد يضيع هذا التخصص الحيوي ما بين إدارات المرور وأمانات وبلديات المدن.. التي تتنازع مسؤولية تخطيط الشوارع واتجاهات الحركة فيها، وكثيرا ما تعمد بعض الجهات المرورية إلى إغلاق بعض التقاطعات بالصبّات الخرسانية المتحركة فور وقوع عدد من الحوادث فيها دون دراسة الأسباب الحقيقية.. أو في أحسن الأحوال بناء المطبات الاصطناعية كحلول سريعة.. مما يصرف الحركة إلى طرقات أخرى ما تلبث أن تكون هي الأخرى ميادين للاختناقات المرورية. وهنا يأتي دور هندسة المرور الذي يبني استراتيجياته على جملة من المعطيات – أو هكذا يفترض – لدراسة مواقع الخدمات الرئيسية كالمدارس والجامعات والمشافي والوزارات لربط حركة السير بتلك المواقع وتوجيهها إليها بشكل أفقي يمنع أو يقلل على الأقل من حجم التقاطعات المسبب الرئيس للازدحام.. فضلا عن أنه كان ينبغي أن يراعى هذا الأمر في سياق التخطيط العمراني للمدن بحيث لا تتركز أجهزة الخدمات في اتجاه واحد مما يثقل كواهل الطرق المؤدية إليها، ويشل الحركة فيها خاصة في أوقات الذروة.
الآن الجميع متفقون على وجود أزمة سير، وأجهزة المرور بصفتها المعني الأول بهذه المسؤولية تبذل جهودا خارقة ومضنية في محاولة التخفيف من حدتها.. في حين أنها في واقع الأمر تتحمل عبء مشاكل التخطيط العمراني، وغياب دور هندسة المرور.. الذي أصبح علما قائما بذاته – لا يحتكم فيه إلى الصبّات الخرسانية لإغلاق هذا التقاطع أو ذاك، ولا إلى الاجتهادات الشخصية.. قدر ما يستند دوره إلى إعداد رؤية تفصيلية تقوم على مسوحات دقيقة ترصد بأدق التفاصيل اتجاهات حركة السير خلال الأربع والعشرين ساعة، لتبني عليها برامجها التنظيمية بما في ذلك توزيع الإشارات الضوئية، وحجم الأرصفة.. خاصة أرصفة الوسط التي تأخذ حيزا من الشوارع دون فائدة في بعض الأحيان.
إن أزمة السير في مدننا لم تعد هما يوميا وحسب، ولن ينتهي أثرها عند حد اقتطاع جزء كبير من وقت العمل الرسمي.. بما يشكله هذا الاقتطاع من هدر اقتصادي لا يمكن قياس أبعاده إلا من خلال حجم الإنتاجية الذي يشهد المزيد من التدني يوما بعد آخر.. وإنما يمتد أثرها أيضا إلى إحباط حركة الإسعاف والدفاع المدني التي تحتاج إلى استثمار كل دقيقة للتصدي لمسؤولياتها الإنقاذية.. لذلك لا بد من إعادة النظر في دور هندسة المرور، عبر مجالس مدنية للسياسات المرورية تضم مختلف القطاعات ذات الصلة وفي مقدمتها المرور والأمانات.. لإعادة رسم خريطة الحركة في مدننا حتى لا تتحول هذه الطرقات إلى شرايين مصابة بالكوليسترول!
