إن باكستان مثال غريب جدا لدولة عسكرية - ديمقراطية. فهي مشابهة ظاهريا لتركيا (كل منهما إسلامية، وجيشاهما قويان جدا وذواتا سياسة تحكمية، وهما حليفتان للولايات المتحدة بالاختيار أو بالإجبار) لكنهما مختلفتان أيضا (فالجيش التركي علماني وجيش باكستان جهادي، وتركيا ممزقة بين الغرب والإسلام، حسب قول صموئيل هننتجون، وليس لباكستان هوية رغم كونها دولة إسلامية معلنة). لكن ما يجعلها دولة جهادية مستبدة ديمقراطية غريبة وخطرة طبيعيا يتجاوز كل هذه الاعتبارات.
في الأوقات الحالية هنالك أربع أو ثلاث وثائق مؤسسية أيديولوجية تجري في باكستان، وأكبر وثيقة هي المؤسسة العسكرية والاستخبارية الباكستانية, فهي تسيطر على الأسلحة النووية في باكستان وليس للحكومة المنتخبة أي رأي حول إنتاجها أو أمنها أو نشرها. ويقع معظم الأسلحة النووية الباكستانية في المناطق الجهادية في شمال وشمال غرب باكستان. وهذه المؤسسة ذاتها تسيطر على البرنامج الإرهابي للدولة الباكتسانية ضد الهند وأفغانستان، المرتبطة بالقاعدة وطالبان الأفغانية لاستعادة أفغانستان بعد رحيل أمريكا، والإشراف على الحركات الإرهابية المناهضة للهند مثل لاشكار طيبة وجيش محمد.
وفي ظل الديكتاتور العسكري الباكستاني السابق برويز مشرف، كان جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستانية بين صخرة (الولايات المتحدة) ومكان صعب (الإرهابيين الأفغان الباكستانيين). وفي التوزيعة الجهادية ـ المستبدة - الديمقراطية الجديدة هنالك تغير دقيق، فطالبان الباكستانية ورئيسها الذي اغتيل أخيرا، بيت الله محسود، كانوا يخربون العمليات الاستراتيجية لباكستان ضد أفغانستان, وبالتالي الهند، لأن باكستان تحتاج إلى أفغانستان لإحراز عمق استراتيجي ضد الهند، لذلك استخدم الجهاز العسكري الاستخباري الباكستاني وسائلها ووسائل حكومة آصف زرداري المنتخب لإرباك الولايات المتحدة بأن محاربة محسود تعني محاربة القاعدة وطالبان الأفغانية مع أن لا شيء يمكن أن يبتعد عن الحقيقة ولذلك أرسلت أمريكا الطائرات بلا طيار لتعقب محسود وقتله مع الاستعانة بمعلومات محددة من باكستان بلا أي شك. ولا يتساءل أحد في أمريكا عن السبب الذي جعل باكستان لا تعطي معلومات فاعلة مماثلة للنيل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري والملا عمر من طالبان طول السنوات الثماني من عملية الحرية الدائمة في أفغانستان.
وفي أعقاب المؤسسة العسكرية الاستخبارية لباكستان فإن وثائق الجهاز القضائي والجهاديين تمضي متساوية، فمن المهم أن نتذكر أن مشرف فرض حالة الطوارئ، وطرد واحتجز رئيس المحكمة العليا (الذي أعيد إلى منصبه منذ ذلك الحين) افتكار محمد شودري، وقضاة كبارا آخرين، ليس فقط لإنقاذ منصبه الضعيف بل لإرضاء الولايات المتحدة. وكان رئيس القضاة شودري قد أولى اهتماما شديدا لقضايا الأولاد الباكستانيين الذين ''اختفوا''، (الذين يقال إنهم في أمريكا أو مراكز احتجاز الإرهابيين التابعة للحلفاء). ومنذ إعادة شودري إلى منصبه فتر القضاء إزاء حالات الاختفاء، (وبذلك أرضى أمريكا) وفي الوقت ذاته أطلق سراح الجهاديين المسجونين أو الذين قيد المحاكمة (أطلق سراح الزعيم الإرهابي لال مسجد وحافظ محمود سيد، بحجة عدم وجود الأدلة في مذبحة مومباي في 26 تشرين الثاني (نوفمبر).
وهذا يعطي في الوقت الحاضر للجهاديين المناهضين للهند حرية القيام بالحملة الإرهابية ضد الهند دون خوف من المقاضاة أو إصدار الأحكام عليهم التي قد يكون على الحكومة المدنية أن تلتزم بها في كل وقت تحت الضغط الدولي.
من ناحية أخرى, فإن موت محسود يحذر أمثال لال مسجد الإرهابي من العواقب الشديدة إذا كان ضد مصالح الدولة الباكستانية، لكن وفق الخط المرسوم فإن القضاء الباكستاني سيبقيهم أحراراً، وهذا جزء من التقسيم بين المؤسسة العسكرية الاستخبارية الباكستانية والجهاديين والقضاء.
لماذا يكون هنالك قضاء مستقل وطني في الأصل؟ إنه ينفس الجمهور الباكستاني. إن اغتيال بناظير بوتو من قبل المؤسسة العسكرية الاستخبارية الباكستانية بمساعدة محسود أو دونها (يصر مشرف على أن محسود تصرف وحده), وطرد القاضي شودري ألهب قوة جارفة أجبرت مشرف على الاستقالة كرئيس، مع أنه زور الانتخابات لإعطاء حكم مشوش وجعل نفسه لا مناص منه، وكان الجيش (وأمريكا) يعرفان أنه يجب التساهل مع شودري إذا لم تكن ثورة الشعب متوقعة, وتحت هذا الانطباع لم تحرك ساكنا لإنقاذ مشرف، الذي يواجه السجن إلى ما يصل إلى ثلاث سنوات إذا عاد من منفاه القصير في لندن بسبب احتجاز رئيس المحكمة العليا وقضاة آخرين خلال حكم الطوارئ. لكن القضاء الذي يعرف الجيش لن يقف مع مشرف للحكم عليه بالإعدام بسبب الخيانة لفرض حالة الطوارئ، ولذلك فإن افتكار شودري ترك ذلك القرار للجمعية الوطنية الباكستانية للنقاش واتخاذ القرار.
أين يترك كل هذا، حكومة آصف زرداري التي يتزعمها حزبه؟ وحين يذوب الثلج فإن الوضع مرعب، وعليه أن يحمل عبء باكستان إلى كل مكان في العالم (وهو أثقل من أن يحمله) لكن ليس له أي سلطة. والأسوأ بالنسبة إلى زرداري أن رئيس وزرائه المعوق، من البنجاب، يوسف جيلاني، يطعنه من الظهر بتغاضي المؤسسة العسكرية الاستخبارية، ولذلك فإن حكومة باكستان المنتخبة ليس لها أي طبقة عليا ذات أهمية، مع أنها تعطي لباكستان أي شرعية تملكها في العالم، بينما تتشارك المؤسسة العسكرية الاستخبارية والجهاديون والقضاء بين المساحات الذهبية المتبقية فيما بينهم، بينما تأخذ المؤسسة حصة الأسد. وهذه هي الصفة الغريبة والمدمرة لدولة باكستان العسكرية الديمقراطية مع وجود جدار هش يفصل الجهاديين عن الأسلحة النووية الباكستانية، ولا أحد في باكستان يؤرقه هذا الترتيب.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: Opinion Asia
