حين رفض وزير البيئة الهندي، جايرام راميش، بصراحة قبول تخفيضات انبعاثات الغاز الملزمة قانونياً خلال مؤتمر صحافي مع وزيرة خارجية الولايات المتحدة، هيلاري كلينتون، التي كانت تزور البلاد، أضاف إلى الانطباعات الغربية بأن الهند أصبحت متمسكة عنيدة بمفاوضات التغير المناخي متعددة الأطراف.
بصفتها إحدى الاقتصادات الناشئة التي سيتسع نطاق أثرها الكربوني في العقود المقبلة، فقد تم توجيه الانتقادات إلى الهند بسبب موقفها المتصلب. وفي سلسلة من افتتاحيات الرأي عشية رحلة الوزيرة كلينتون إلى الهند، جادلت الصحف الغربية المؤثرة مثل صحيفة نيويورك تايمز، وفاينانشال تايمز، بالقول إنه يجب عليها أن تنقل ''رسالة قاسية''، بأن على الهند أن تغير موقفها لصالح إبرام اتفاق عالمي في مؤتمر البيئة المقبل في كوبنهاجن.
وصلت الوزيرة كلينتون إلى الهند يرافقها المبعوث الأمريكي الخاص للتغير المناخي، تود شترين - خطوة غير متوقعة قيل إنها ''صدمت'' المضيفين. واستخدم الوزير راميش كلمة ''ضغوط'' لوصف الدفع الغربي لضم الهند إلى عربة تخفيضات الكربون، وأضاف أنه كان هنالك ''تهديد'' بفرض تعرفة الكربون الجمركية على الصادرات الهندية. ولم تستطع أجواء التألق التي تغلف الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند أن تخفي التوتر.
إحدى الحجج التي أبداها نقاد عدم مرونة الهند بشأن التغير المناخي هي أن شرطها لكي يتم الاعتراف بها كقوة عالمية لن يتحقق إذا فشلت في المشاركة في صنع قوانين ومؤسسات دولية حول قضايا ساخنة مثل التغير المناخي. والخطر الماثل هو أن تبقى الهند خارج نطاق النظام المناخي فيما بعد اتفاقية كيوتو، وبالتالي أن تحصل على سمعة الغريب الذي هو في موقف بين أخذ ورد.
يعلم الهنود جيداً شعور المنبوذ، وذلك نتيجة تجربة دامت أربعة عقود أثناء وجودها خارج نظام عدم الانتشار النووي. ومن حرمانها من التكنولوجيا، إلى العقوبات، واجهت الهند عدداً وافراً من القيود التي فرضتها القوى الغربية لرفضها الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، ومعاهدة حظر إجراء التجارب الشاملة. ويعتبر تكرار مثل هذا التهميش بشأن التغير المناخي كأنه سيف ديموقليس معلق فوق رقبة نيودلهي، في الوقت الذي تحدد فيه موقفها قبل اجتماع كوبنهاجن.
لكن ما هو أكثر من الخوف من التهميش بصفتها ''لا تتسم بالمسؤولية''، فإن على الهند أن تلتفت إلى الشائعات بأن الولايات المتحدة والصين على وشك أن تبرما صفقة سرية حول تخفيض الانبعاثات. وحتى هذه النقطة، فإنه يُنظر إلى الصين والهند بشكل مشترك بصفتهما الدولتين البارزتين اللتين تتفاديان التزامات كوكبية لعصر جديد شجاع مفترض. ولكن إذا انفصلت الصين، ودخلت في تفاهم عملي مع الولايات المتحدة، فستكون الهند مكشوفة مثل أصبع مجروح، ولن تتمكن من التنافس مع الصين في تصميم هندسة السياسة العالمية.
إن ما يقال عن احتمال توقيع اتفاقية حول التغير المناخي بين واشنطن وبكين ليس دخاناً دون نار. وأبلغ دبلوماسيون أوروبيون الصحافة خلال اجتماع قمة الثمانية الأخيرة في إيطاليا، أنهم أبدوا امتعاضهم من احتمالات توقيع ''اتفاقية منفصلة بين الولايات المتحدة، والصين، حول التغير المناخي، خارج نطاق إطار التفاوض العالمي''.
وأعرب خبير دنماركي في التغير المناخي عن مخاوفه من أن فتح مسار دبلوماسي صيني - أمريكي منفصل ''يمكن أن يكون عامل تثبيط للجهود المشتركة، كما أنه يقلل من شأن أجندة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالحد من الانبعاثات الغازية. ويخشى الأوروبيون من فقدان قدرتهم على المناورة الخاصة بضم الصين، والولايات المتحدة، إلى عملية صنع القرار بخصوص التغير المناخي على الصعيد العالمي.
وكانت هنالك منافسة حادة مكثفة بين القوى العظمى في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وهنالك منافسة الآن حول تناول قضايا التغير المناخي. وفي ظل تبخر كون الولايات المتحدة قوة وحيدة في العالم، فإن هناك تدافعاً باتجاه استقطاب المواقف بين الدول (والتجمعات على شاكلة الاتحاد الأوروبي). وإن مسألة النمو الاقتصادي تظل قضية حيوية في هذا الخصوص لأن الاقتصادات الكبرى هي وحدها القادرة على دعم آلات عسكرية ضخمة. وإن نهوض الصين التي أخذت مكان ألمانيا، كثالث أكبر اقتصاد في العالم، أمر باعث على القلق كذلك بالنسبة لمنافسين مثل الاتحاد الأوروبي، واليابان، والهند، التي تخشى من أن تتخلف استراتيجياً عن هذا الركب السائر.
وإن القلق السياسي الأعمق الذي يحرك هذه الأطراف، هو احتمال عقد اتفاقيات ثنائية حول المزيد من الحد من الانبعاثات الغازية، حين يستطيع الأمريكيون والصينيون تسوية خلافاتهم على صعيد ثنائي. فهل على الاتحاد الأوروبي، والهند، التراجع عن أهداف الحد من الانبعاثات، بينما تشق أمريكا والصين طريقهما خارج نطاق الانكماش من خلال التزامات خاصة بهما؟
وحتى لو تحقق التوافق في قمة كوبنهاجن البيئية، فإن هذه المعضلة ستستمر من خلال الخداع المتعلق بتوقيع أو أكثر على معاهدة جديدة حول تغيير المناخ. ويعمل فقدان آليات التأكد من التزام الدول بما توقع عليه فيما يتعلق بالحد من الانبعاثات الكربونية، على زيادة عصبية الدول التي تحاول الانضمام إلى الجهود الدولية لحل هذه المشكلة البيئية الرئيسية. ولا بد للتوجه الصيني الخاص بتعزيز الميزة الاقتصادية من خلال جهود الحد من التلوث في الهواء، من أن يتسبب في إعادة تفكير شامل بخصوص هذه الأمور في نيودلهي. وهنالك تحديان كبيران يواجهان الهند، وهي تحاول شق طريقها في مرحلة الإعداد لقمة كوبنهاجن. ويمكن للهند أن تستخدم القوة الصلبة، أو القوة الناعمة مع الصين، إذا امتنعت الصين عن الدخول في اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة حول التغير المناخي. ولدى الهند سلاح جيد يمكنها استخدامه في المفاوضات العالمية الخاصة بالزراعة ضمن جولة الدوحة.
وحذّر الوزير راميش، بحضور وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، من فرض رسوم كربونية على الصادرات الهندية، معتبراً ذلك تهديداً يعوق التجارة. فهل هنالك مجال لتحويل ذلك التهديد إلى فرصة من خلال التخفيض الحقيقي للرسوم الأمريكية، وكذلك الحد من القيود التي يشكلها الدعم الزراعي الأمريكي المحلي على الصادرات الزراعية الهندية، مقابل موافقة الهند على الالتزام ببعض التخفيضات الملزمة على صعيد الانبعاثات الكربونية؟
وعلى الهند أن تطرح أفكاراً خلاقة على طاولة التفاوض لتحافظ على قدرتها التنافسية أمام الصين حتى تهزم الفكرة القائلة إنها عامل تخريب للتوصل إلى معاهدة عالمية للحد من انبعاثات البيوت الخضراء. وفي ظل عالم يتسم بدرجة شرسة من التنافس، فإن الهند في حاجة إلى أدوات أكثر تقدماً، وربما تزيد على مجرد الاحتجاجات الأخلاقية العاطفية بأنها بلد ذو انبعاثات كربونية قليلة.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: Opinion Asia
