الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

مركزية اتخاذ القرار التنفيذي معوقة للفاعلية الإدارية

للقطاعين العام والأهلي أدوار مهمة فيما يحتاج إليه المواطن من متطلبات حياته. ولا شك أن كليهما حريص على تقديم ما يختص به من خدمات بأعلى المستويات وما يتطلبه ذلك من تيسير لمتطلبات الحصول على الخدمة بما في ذلك مساراتها الإجرائية.

نجد أن بعضا من أجهزة القطاع العام ونسبة عالية من مؤسسات وشركات القطاع الأهلي (ربما بفعل المنافسة) المختصة بتقديم خدمات عامة قد سعت بشكل جاد إلى جعل ما تقدمه من الخدمات العامة مقننة, من الناحيتين التنظيمية والإدارية وفق ضوابطها النظامية, آملة أن يكون في ذلك ما يكفي لجعل خدماتها متاحة بكل يسر وسهولة لمن يلتزم بمتطلباتها, غير أن ذلك لن يتحقق بالمستوى المطلوب من تلك التوجهات التطويرية ما لم يكن المختص المسؤول بصورة مباشرة عن تقديم الخدمة يملك كامل الصلاحيات لتقديمها دون الحاجة إلى تنقل طالب الخدمة أو أوراقه من مختص إلى آخر ومن مدير إلى من هو أعلى منه أو من مكتب إلى آخر, لانتفاء الموجب الإجرائي لذلك. وهذا مقصور على الحالات التي لا تخرج عن حدود المتطلبات المحددة من قبل الجهة مقدمة الخدمة. أما الحالات التي بها ما يستدعي الدراسة أو يستلزم مرورها بقنوات إدارية متعددة, فتلك بها ما يوجب دخولها في أكثر من مسار حتى تستوفي المتطلبات المناسبة لها, على أن تكون تلك المسارات في أدنى حد ممكن لها.

هذا ما يجب أن يكون عليه حال جميع الخدمات العامة بصرف النظر عمن يقدمها, غير أننا نجد أن هناك خدمات لا تزال آليات اتخاذ قرار اعتمادها على ما كانت عليه منذ زمن طويل رغم تغير بيئة العمل وارتفاع حجمه وضرورة الإسراع في الإنجاز, وسبب ذلك أنه لا يمكن استكمال متطلبات الحصول عليها إلا بعد المصادقة على وثائقها من قبل أكثر من مسؤول, ما يطيل أمد الحصول عليها من ناحية, وتثقل على صاحب صلاحية اعتمادها من ناحية ثانية.

توجد هذه الظاهرة الإدارية, غير المسايرة لمتطلبات العصر بأجهزة بذلت جهوداً تطويرية وأدخلت التقنية الحديثة كإحدى آليات إنجاز العمل, إلا أن الخدمات التي تقدمها لا تزال بطيئة السير داخل الجهاز, والسبب يعود إلى مركزية اتخاذ القرارات التنفيذية.

وللمركزية المعوقة للفاعلية الإدارية أسباب متعددة أبرزها, نظامية كالقصور أو القدم أو الغموض في الضوابط النظامية, ما يستدعي موظفي التنفيذ يسترشدون بتوجيهات المشرفين عليهم, أو تنظيمية كالتداخل أو الازدواج أو الغموض, أو التعارض في الاختصاصات, أو أن تكون الأسباب إشرافية التي يرجع أغلبيتها لصفات شخصية لدى المشرف, منها قناعة بعض المديرين أن احتفاظهم بكل الصلاحيات يعطيهم أهمية أعلى في الجهاز الذي يعملون فيه, ويمنحهم مكانة أعلى في مجتمعهم الخاص سواء الأسري أو لدى الصحبة والجيرة. وآخرون يغلب عليهم الحرص إلى درجة المبالغة مما يُضعف ثقتهم بكفاءة من يعمل تحت إشرافهم, أو أن سبب مركزيتهم عدم كفاءة من يشرفون عليهم إما لأسباب تنظيمية داخل الجهاز الذي يعملون فيه, وإما لضعف كفاءة العاملين للتقصير في إعدادهم ومواصلة رفع كفاءتهم, ومهما سعت الأجهزة في مساعي التطوير الإداري النظامية والتنظيمية وتوظيف التقنية الحديثة, فلن تحقق أهدافها ما لم ترتبط بمساع إصلاحية موازية أبرزها رفع كفاءة المديرين وكفاءة المختصين والمنفذين من الموظفين على اختلاف مجالات أعمالهم ومستوياتهم الوظيفية ورفع مستوى الوعي لدى الجميع بأن الهدف الأساس من وجود الوظيفة العامة هو خدمة الوطن والمواطن والمواطنة, وقد يسرت الدولة كل المتطلبات اللازمة لذلك من ناحية, وبث ثقافة اللامركزية بالذات في النشاطات التنفيذية بين جميع المسؤولين في الجهاز كمبدأ عام واجب التنفيذ, بحيث يكون قرار منح الخدمة, بعد استكمال متطلباتها, من صلاحيات مستقبلي طلبات الخدمة, من ناحية ثانية, دون انتقال وثائق الطلب من مكتب إلى آخر ومن مستوى وظيفي إلى ما هو أعلى منه, لما في منح القدر الكافي من الصلاحية للمختصين بتقديم الخدمة من تسهيل على الجهاز وطالب الخدمة.

وتفويض الصلاحيات الهادفة إلى رفع كفاءة الأداء له متطلبات منها اكتمال الأنظمة ووضوحها وحداثتها وشمولها ودراية القائم على تنفيذها دراية تغنيه عن طلب الرأي أو التوجيه ممن يشرف عليه, ما لم يكن هناك موجب لذلك, وسهولة الإجراءات ومرونتها, وغير ذلك من متطلبات قد تتفاوت من خدمة إلى أخرى.

ومن أجل أن تكون الصلاحية التنفيذية فاعلة من ناحية, ولا تتخطى حدودها من ناحية ثانية, يجب تفعيل الإشراف المباشر على من منحت لهم وتطوير برامج للمتابعة الدقيقة والرقابة الهادفة إلى ضبط سير العمل بما لا يتجاوز النظام ولا يضير متلقي الخدمة. كما يجب أن يصاحب ذلك ترتيبات دقيقة لمحاسبة من يقصر أو يتجاوز إطار المهمة المسندة إليه, إذ إن للتهاون في المحاسبة أو عدم ملاءمتها لما أوجبها كالمبالغة فيها ردود فعل غير إيجابية لا يتحقق معها الهدف السامي من المحاسبة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية