سأكون أكثر رحمة من شاعرنا الشعبي الذي قال: عديت في مرقبٍ والليل ممسيني بديار غربٍ لعل السيل ماجاها
ويقصد بالغرب البلاد الغربية، والعرب عادة تعتبر أي بلاد من غير بلاد العرب هي بلاد الغرباء وهذا في كل ثقافات العالم. ولكن العربي ابن البادية يعتبر أي بلاد أو أي شخص من خارج حمى القبيلة بلادا وشخصا غريبا.. قلت إنني سأكون أكثر رحمه ولن أدعو علي، أو أحسد تلك البلاد البعيدة وما هو غريب بأن يصيبها الجفاف ويتوقف نزيف المطر عنها وتجدب أرضها ويشح الماء ويصبح غورا كذلك سأكون أكثر تسامحا وأقول إن الشاعر لم يقصد ذلك وإني فهمت المعنى بهذه الصورة. لا يهم المغزى ولكني جلست أرقب الأمطار في إحدى المدن البعيدة والغريبة يسمى البلدانيون وأهل التاريخ القدماء والوراقون في الزمن الماضي أهلها بالإفرنج أو الروم أو بيزنطة، وكنت أرقب المطر في حالات عدة تمنيت أن تلك الأمطار على بلادي، على ركنها الشمالي الغربي من رأس البحر الأحمر وحتى آخر رملة على أواسط الربع الخالي في الركن الجنوبي الشرقي أو على مجرى وادي الباطن شرقاً في آخر تعرجات الخليج العربي في الركن الشمالي الشرقي وحتى آخر مرتفعات جازان في الجنوب الغربي. وترطب تلك الأمطار رمال النفود الكبير والدهناء والثويرات وعريق البلدان والجافورة والربع الخالي, وتغسل أراضي (نجد) العطشى وتروي آبارها وتغذي كل شقوق الدرع العربي من حرات المدينة والجبال السود في حائل وجبال الحجاز والسروات ومرتفعات عسير وكل تكوينات تبوك. أرقب أمطار بلاد الفرنجة في عدد من المدن غير حاسد منطلقا من مرجعية إسلامية حث فيها ديننا الحنيف على عدم الحسد وزوال نعمة الآخر, ومن حس إنساني عميق تجاه هذا الكون وناسه وأيضاً انطلاقا من محبة الآخر, ومن استنتاجات وقراءات شخصية قد يكون أساسها علميا وقد تكون مجرد قراءات وملاحظات وهي أن السدود في تركيا وإيران واليونان وأطراف أوروبا الجنوبية والدول الواقعة على هامش شرق آسيا باتجاه غرب القارة الآسيوي هي أحد مغذيات الجزيرة العربية بالمياه عبر قنوات أرضية باتجاه أراضي العرب وأن الفضاء اليابس بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود في تركيا هو شبه مجرى مائي عذب يغذي العراق والشام والجزيرة العربية.
هذه ليست حقيقة علمية لكنها ملاحظات, لذا عندما تبتل أوروبا وجنوب شرقها بالمطر لربما تصل مياهها العذبة عبر سنوات وعملية هيدرولوجية معقدة وعبر قنوات أرضية عميقة إلى الطبقات الحاملة للمياه في المناطق الرسوبية من الجزيرة العربية وإلى فتحات وخزانات الشقوق في الدرع العربي وهذا يجعلنا نتوجه بسؤال فلسفي: من الذي يغذي منابع المياه في نهر الصين الأصفر (خزان آسيا) ونهر النيل خزان إفريقيا ونهري دجلة والفرات في تركيا؟! إيماننا بالله العلي العظيم يجعلنا نتأمل تلك الرحلة الطويلة للمياه العذبة التي تبدأ من المحيطات بأبخرة ترحل للسحب لتتخلق ـ بإذن الله ـ في السماء وتسوقها الرياح ـ بأمر الله ـ لتسقي الأراضي وتحولها إلى غابات ومروج وأنهار. هناك عملية لا نستطيع رؤيتها أو حتى مراقبتها عبر تقنياتنا الحالية تزيدنا إيماننا بالله وعظمة هذا الكون وتوازنه وهي دورة المياه الجوفية في الطبقات الحاملة للمياه والخزانات الجوفية ورحلة المياه بين القارات وبين البلدان حتى لو حاولت الأمم المتحدة وضع قانون طبقات المياه الجوفية العابرة ومحاولة إيجاد قانون ينظم أحقية الدول في استخدام واستثمار طبقات المياه الجوفية، إذاً تبقى رحلة المياه الجوفية رحلة عظيمة لا يعلمها إلا الله.
