الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 31 مايو 2026 | 14 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تسييس المعلومات .. وباء خطير في النظام العالمي الحالي

فائق فهيم
السبت 8 أغسطس 2009 3:48

كان غزو العراق حدثا مدويا وهو علامة فارقة في تطور العلاقات الدولية. وقد دأب المحللون السياسيون على انتهاج مبدأ السبب والنتيجة لتفسير الظواهر وكشف النقاب عن خفايا الأحداث غير أن هذه الأحداث نفسها كشفت الأزمة التي صنعتها أيدي الساسة خاصة في القطب الأكبر والمسيطر: الولايات المتحدة.

وقد كتب بول بيلار أحد كبار محللي الاستخبارات ليوضح أن إدارة بوش تجاهلت معظم المعلومات الحقيقية التي أفرزتها أجهزة محترفة ومتخصصة لصالح قرارات سياسية اتخذت سلفا، وأرادت واشنطن أن تفرضه على الرأي العام المحلي والعالمي من خلال تسخير المعلومات الاستخبارية التي تدعمه وتؤيده. وفي ذلك وضع للعربة أمام الحصان، كما تعلم جميع أجهزة المعلومات التي تزود القيادات بأصدق المعلومات المدعومة بالأدلة لتمكنهم من اتخاذ قرارات سليمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحروب أو القرارات الاقتصادية الكبرى.

أدى ذلك إلى انهيار العلاقة بين أجهزة جمع المعلومات الأمريكية وبين أصحاب القرار السياسي. لأن رجال الاستخبارات - وهم مهنيون على أعلى مستوى من الدقة - فوجئوا بأنهم يساقون سوقا إلى اختراع حقائق تبرر القرار السياسي، وأجمعوا على أن الرئيس الأمريكي قرر القضاء على صدام واحتلال العراق بعد سلسلة من المواقف المائعة والادعاءات الكاذبة التي أقنعته أجهزته بها لكنه ومعه تاجر الحروب ديك تشيني الذي يمثل مؤسسات عالمية غامضة في عالم النفط والسلاح، غضوا الطرف تماما عن الحقائق التي قدمها لهم رجال الاستخبارات، والذين شعروا بالمهانة المهنية، عندما شاهدوا الطاولة تقلب على جهودهم ورأوا الأمور تمضي في طريق مختلف.

ويقول أكبر ضابط مخابرات مسؤول عن الشرق الأوسط من سنة 2000 إلى سنة 2005 إنه شاهد كل هذا التباين والارتباك، وعندما ووجهت الإدارة بالاتهامات ردت بأن آخرين غيرها كانوا يعرفون أن صدام حسين كان يمتلك أسلحة نووية، وهو ما ثبت بطلانه تماما بعدما تحقق لبوش ما يريد وهو احتلال العراق بهدف تحطيم الشرق الأوسط التقليدي والقضاء على زعاماته البراقة لتشكيل أوضاع تكون أكثر خدمة ومرونة مع المصالح الأمريكية، فضلا عن الحصول على الجائزة الكبرى. وبالطبع فإن شخصية صدام وديكتاتوريته العنيفة وعناده الشخصي زود بوش بالكثير مما يريد لترويج الحملة الإعلامية العاتية ضده، والتي كانت بمثابة القصف المبدئي قبل احتلال العراق.

الجديد هنا أن دولة مثل الولايات المتحدة، كانت الاستخبارات بعملائها أهم مصدر لقراراتها تخلت تماما عن ذلك وضربت عرض الحائط بالمعلومات الواردة من وكالة المخابرات المركزية والمكاتب الفرعية التابعة، لأن ثلة حول الرئيس كانت ترى أن فتح الشرق الأوسط على مصراعيه كحقل استهلاكي للسلع الأمريكية وتحويله إلى كيان ضعيف لا يهدد إسرائيل، وربما لجعلها الأمر الناهي من خلال توثيق علاقاتها بأنظمة صغيرة ومترنحة، كان لها القرار والتنفيذ.

وعلينا أن نذكر هنا أن العلاقة السوية بين جمع المعلومات وبين اتخاذ القرار السياسي تجعلهما منفصلتين ومتباعدتين عن بعضها البعض. فالأولى - أي جمع المعلومات - تجمع المعلومات ثم تقوم بتقييم مصداقيتها ثم تربطها بغيرها من المعلومات الواردة من مصادر مختلفة لتحسن الخروج بنتائج منطقية مقنعة. ولهذا فإن رجال الاستخبارات يحرصون على حصر اهتمامهم في جمع المهم من المعلومات حسب رؤيتهم ورؤية الساسة. ولذلك فإن الساسة هم الذين يحددون الموضوعات ولكنهم هم الذين يصنعون الاستنتاجات النهائية. ويحرص رجال المعلومات على ما يحدث أو ما قد يحدث مع تجنب التوصية بكيفية الرد.

وفي الحالة العراقية التي قد تعد بداية لعهد جديد متوتر بين أجهزة القرار وأجهزة الاستخبارات، قرر بوش عدم استخدام المعلومات لصنع القرار ولكنه فضل البحث عن المعلومات التي تبرر قرارا تم اتخاذه.

فهل أصبح ذلك معيارا ثابتا ونوعية جديدة من العلاقة أم أن الإدارة الجديدة، ستعود إلى الثوابت الطبيعية المعتادة؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية