يمكن اعتبار 2008 سنة مميزة بالنسبة للاقتصاد السعودي، فيما يخص حجم الناتج المحلي الإجمالي ومستوى دخل الفرد. يعتمد مقالنا بشكل جزئي على الإحصاءات المنسوبة لمؤسسة النقد العربي السعودي حول نتائج اقتصاد المملكة في عام 2008 والمنشورة في تقرير حديث لصحيفة ''الإمارات بيزنس'' الناطقة باللغة الإنجليزية.
النمو الاقتصادي من جملة الأمور، أشار التقرير إلى تسجيل نسبة نمو قدرها 22 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي أي القيمة المالية لجميع الأنشطة ليصل إلى رقم قياسي حجمه 468 مليار دولار. الأرقام هي بالأسعار الجارية, أي غير المعدلة لعامل التضخم وبالتالي تأخذ في الحسبان مسألة ارتفاع أسعار النفط. في المقابل، قدرت وحدة المعلومات في مجموعة الإيكونوميست البريطانية قيمة الناتج المحلي الإجمالي السعودي 591 مليار دولار بالأسعار الثابتة في 2008. كما قدرت ''الإيكونوميست'' النمو الفعلي 4.3 في المائة في السنة نفسها. إضافة إلى ذلك، أشار تقرير الصحيفة الإماراتية إلى ارتفاع دخل الفرد في السعودية من الناتج المحلي الإجمالي من 15816 دولارا في عام 2007 إلى 18847 دولارا في 2008. بدورها, قدرت وحدة المعلومات في مجموعة الإيكونوميست مستوى دخل الفرد 18793 دولارا بالأسعار الجارية مقارنة بـ 23692 دولارا بالأسعار الثابتة في عام 2008. وكان مستوى دخل الفرد من الناتج المحلي قد بلغ 16947 دولارا بالأسعار الجارية في عام 1981 في خضم ارتفاع أسعار النفط في الوقت الذي لم يتجاوز عدد السكان حاجز عشرة ملايين نسمة.
أكبر اقتصاد عربي يعد حجم الاقتصاد السعودي أحد الأسباب الرئيسة وراء اختيار الرياض مقرا للبنك المركزي الخليجي والمزمع إنشاؤه في إطار مشروع الاتحاد النقدي الخليجي. وكان الاتحاد الأوروبي قد اختار ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي وتحديدا مدينة فرانكفورت مقرا للبنك المركزي الأوروبي. حقيقة القول، يعد الاقتصاد السعودي الأكبر على الإطلاق بين الدول العربية مقارنة بـ 443 مليار دولار و246 مليار حجم الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في كل من مصر والإمارات على التوالي. بالعودة للوراء، بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي السعودي 383 مليار دولار في عام 2007 و 356 مليار دولار في 2006 فضلا عن 315 مليار دولار في 2005. لا شك هناك سبب جوهري للزيادة النوعية في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2008 وتحديدا حدوث ارتفاع تاريخي لأسعار النفط في الأشهر السبعة الأولى. فقد ارتفع سعر النفط إلى 147 دولارا للبرميل في تموز (يوليو) من عام 2008 أي الأعلى تاريخيا. بيد أنه تراجعت أسعار النفط في الربع الأخير من 2008 إلى دون 40 دولارا للبرميل وذلك على خلفية ظهور أزمة الرهن العقاري.
أهمية القطاع النفطي يلعب القطاع النفطي أي النفط الخام والمنتجات المكررة فضلا عن الغاز دورا حيويا في الاقتصاد السعودي، حيث يسهم بنحو ثلثي دخل الخزانة العامة فضلا عن ثلاثة أرباع الصادرات. كما يسهم القطاع النفطي بأكثر من ربع قيمة الناتج المحلي الإجمالي في المملكة. وتزداد أهمية القطاع النفطي في حال حصول تعزيز لأسعار النفط في الأسواق الدولية والعكس بالعكس. حقيقة القول، ليس من المستبعد حصول تراجع لمستوى النمو الاقتصادي في عام 2009 بسبب تقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية. تعد السعودية أكبر مصدر للنفط الخام على مستوى العالم على خلفية تصديرها نحو تسعة ملايين برميل يوميا. لكن لدى المملكة طاقة إنتاجية في حدود 12 مليون برميل في اليوم. وحسب آخر الإحصاءات المتوافرة، تسيطر السعودية على أكثر من 22 في المائة من الاحتياطي العالمي المكتشف من النفط الخام.
تحدي السكان من جهة أخرى، أشار التقرير إلى قضية النمو السكاني في المملكة. فقد تم تسجيل نسبة نمو قدرها 2.3 في المائة وعليه وصل عدد السكان إلى 24.8 مليون نسمة في نهاية عام 2008 مقارنة بـ 24.2 مليون في 2007. يشكل الأجانب نحو ستة ملايين من عدد السكان. ما يهم هو التوزيع الديموغرافي للسكان، حيث يشير آخر تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى أن 38 في المائة من السكان هم من الذين تقل أعمارهم عن 14 سنة. لكن السواد الأعظم من السكان أي 60 في المائة هم من الفئة العمرية بين 15 و64 سنة.
بمعنى آخر، يعتبر المجتمع السعودي يافعا بالمقاييس الدولية ما يزيد تعقيدا لتحدي البطالة. حسب بعض الإحصاءات تبلغ نسبة البطالة بين المواطنين في حدود 11 في المائة، حيث يتركز هؤلاء من ذوي الفئة العمرية من 20 إلى 24 سنة. وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى إصرار الكثير من الشباب السعودي وخصوصا الإناث على الحصول على وظائف تتناسب ورغباتهم فيما يخص طبيعة وساعات العمل والراتب. الأمر المؤكد هو أن الاقتصاد السعودي يخسر بعض الشيء بسبب انتشار البطالة في أوساط الشباب أي الفئة العمرية الأكثر قدرة على العطاء والمساهمة في تنمية العجلة الاقتصادية. يعتبر الشباب العاطل طاقات معطلة لا يمكن تقديرها بثمن.
