ظل الملف النووي الإيراني ورقة تعلو وتطفو ثم تخبو وفق أجندة دولية مدروسة، والخلاف واضح في عهد بوش بين الموقفين الأوروبيين والأمريكيين منذ الكشف عن هذا الملف مع اتجاه عزم الولايات المتحدة على غزو العراق في أواسط عام 2002 وهو العام الذي اكتمل فيه الاندماج بين السياستين الأمريكية والإسرائيلية لأسباب لا حصر لها ولا مجال للإفاضة فيها، حتى طغت المصالح الإسرائيلية على المصالح الأمريكية، الأمر الذي بدأ يظهر في النقاش العام في الولايات المتحدة بظهور الكتاب الشهير في خريف 2006 حول دور اللوبي الإسرائيلي في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية، والذي لم يطلب سوى منح أولوية للمصالح الأمريكية جنباً إلى جنب مع المصالح الإسرائيلية، وهو ما كان مستحيلاً في حياة شارون. تراوح الملف الإيراني بين موقف إيراني ثابت ومواقف أمريكية متأرجحة بين القوة والعقوبات دون أن يكون الحوار وارداً ثم صار الحوار أداة في عهد أوباما مما أوحى بأن الخلاف بين واشنطن وإسرائيل حول معالجة هذا الملف لا مفر منه، فتأرجحت المواقف الأمريكية بين العقوبات والتوافق الغامض مع الموقف الإسرائيلي الذي يهدد بتسوية هذا الملف عسكرياً. ويضيق المقام عن رصد التصريحات المتذبذبة في هذا المجال إزاء موقف إسرائيلي ثابت ومتصاعد خاصة في عهد نتانياهو. قابلت إيران الموقفين الأمريكي والإسرائيلي بالكثير من المرونة حتى تتمكن من استثمار الملف النووي وترجمته إلى أوراق سياسية بدلاً من إحراق هذه الأوراق في أيديها بالقوة الإسرائيلية. والسؤال: لماذا جعلت إسرائيل ثم واشنطن هذا الملف أولوية مطلقة بعد تمنع أمريكي ظاهر في البداية قبل أن تنضم واشنطن إلى الموقف الإسرائيلي؟
أعتقد أن هناك أربعة أسباب لهذا الدفع بالملف إلى قائمة الأجندة الدولية والإقليمية والحشد الإقليمي لهذا الملف. السبب الأول هو تغيير أولوية المنطقة العربية من الضغط على إسرائيل لتسوية سياسية للصراع مع إسرائيل إلى اعتبار إيران الخطر الاستراتيجي للجميع. صحيح أن إيران النووية سوف تستخدم ورقتها لصالح مشروعها وهو يتحرك على مساحة عربية، ولكننا نظن أن التهديد الإسرائيلي النووي يعمل في إطار مشروع واضح موجه للبقاء العربي وليس فقط المصالح العربية. أي أن إسرائيل تريد الإفلات من استحقاقات السلام المطلوب. السبب الثاني هو القفز فوق محاسبة الإسرائيليين، والإفلات بجرائمهم في غزة وتبديد الاندفاع فى هذا الاتجاه ومحاصرة السلوك البربري الإسرائيلي، وفرق أولويات جديدة تتناسب مع المزاج الإسرائيلي.
السبب الثالث هو تذكير العالم بأن اليهود لم يبرأوا من التهديد المستمر لهم كما قال بيريز بأن إيران تريد أن تكرر الهولوكوست اليهودي، ويجب الأخذ على يديها قبل أن تكون جاهزة لارتكاب هذه المحرقة، وحتى لا يكرر العالم خطأه مع هتلر. أما السبب الرابع فهو السعي إلى إضعاف الموقف التفاوضي الإيراني إزاء واشنطن، وكذلك إقحام المصالح الإسرائيلية في الملف الإيراني الأمريكي.
ولكن في كل الأحوال فإن الملف الإيراني لا يهدد إسرائيل حقيقة، وإنما هو صراع بين مشروعين على المنطقة العربية، وهذا يكفى لاهتمامنا الفائق بالمشروعين. ويجب أن يكون للعرب مشروعهم الذي يتعامل مع الواقع وألا يكتفي بالأحلام بأنه يتم إخلاء المنطقة من مشروعيهما معاً.
