عندما يكبر الإنسان ويبلغ من العمر أرذله.. يبحث عن المكان الدافئ والكلمة الطيبة والرعاية الطبية والنفسية المناسبة لحالته ولأمراضه التي دفعها ضريبة لسنوات عمره يربي ويعمل ويكد لأجل أبنائه ليجد الركن الدافئ ينعم به في أواخر أيامه.. منذ زمن غير بعيد كنا نسمع مقولة إن المسن الجد أو الجدة بركة البيت.. فهو يطرح البركة فيه.. ولكن واضح أن هذه المقولة تبخرت أمام ضغوطات والمسؤوليات المتشعبة الملقاة على عاتق الأسرة الحديثة قد استغنت عن البركة.
فقد كشفت دراسة حديثة في جامعة الملك «سعود» أن ظاهرة الإساءة إلى المسنين في المجتمعات العربية آخذة في التنامي، لافتة إلى أن النساء اللاتي يعشن داخل الأسر يمثلن أغلبية ضحاياها وهن في أغلبهن يعانين أمراضا جسمية أو خرفا.. مشيرة إلى ازدياد ظاهرة انتحار المسنين في الدور الإيوائية نتيجة سوء المعاملة.
ومن أهم أشكال الإساءة للمسنين (كما تحددها الدراسة) في المجتمع العربي داخل الأسرة ومن مظاهرها الإهمال داخل المنزل والحرمان من الرعاية المنزلية والنظرة السلبية والإكراه والإذلال والتهديد بالطرد من المنزل والحرمان من الحقوق المالية أو الوصاية على المسنين إلى جانب الحرمان العاطفي.
وكذلك الإساءة الجسدية من قبل أحد أفراد العائلة أو من الأقارب أو من العاملين في خدمتهم داخل المنزل أو في مؤسسات الرعاية.. ومن مظاهرها القتل والضرب والجرح والإيذاء والسرقة والاعتداء على الأموال والطرد من المنزل والإيداع في دور الرعاية دون أي داع وتعريضهم للحوادث أو التهاون في توفير الضروريات لهم.. كل هذا أسهم في زيادة ظاهرة الانتحار لدى المسنين.. لأنهم بنظر من يرعاهم وغيرهم أسوأ خدمة!! إنهم فئة انتهت أسريا واجتماعيا وباتت عبئا ثقيلا يصعب احتماله.
إنه لأمر مؤسف أن تنتهي حياة المسنين بهذا الشكل المفجع.. ولا أملك إلا أن أذكر من يقسو قلبه ويفقد آدميته وهو يعامل مسنا بلغ من العمر أرذله أنه سيشرب من الكأس ذاتها التي يذيقه بها ألوان العذاب وسيصبح مسنا مثله يبحث عن الركن الدافئ والكلمة الطيبة واللقمة الطرية.. وكما تدين تدان.
