عندما أخبرت والدتي قبل أسبوعين من وفاتها، رحمها الله، أنه قد مرّت سبعون عاما منذ أن ولدتني صمتت برهة وكأنها فوجئت بالنبأ أو بالطريقة التي أعلمتها به، ولكنها لم تلبث أن انخرطت في سلسلة طويلة من الدعاء لي طالما أحسست بالراحة للإنصات له وتطلعت بشوق لسماعه وتحينت الفرص التي تجعلها تردده. كانت، رحمها الله، تطلب مني كل مرة أودعها مسافرا أن أخبرها بوصولي إلى الظهران أو أي جهة كانت في الحال، وكنت أفعل ذلك بتشوق لأطمئنها وأطمئن نفسي بسماع دعائها لي بالسلامة الدائمة. والآن أحس بالوحدة الغامرة بدون سماع ذلك. لقد افتقدت بوفاة والدتي الكثير الكثير، والإحساس بالفراغ الذي غمرني أكثر عمقا واتساعا وأشد وحشة مما كنت أتخيل، ولا أجد سلوانا لهذا الفراق إلا بما يحضرني من الدعاء لها آناء الليل وأطراف النهار.
والدتي هي من أسرة العوهلي الشهيرة في عنيزة، التي هي في غنى عن الإشادة مني، كما أنها في الجانب الآخر تنتمي إلى نسل كريم يحفل بالنوابغ، فأكبر أخوالها هو الشيخ إبراهيم المحمد العمود، رحمه الله، الذي اكتسب بدماثة خلقه وجرأته في الحق احترام الجميع عندما كان رئيسا للمحاكم الشرعية في المنطقة الشرقية، كما أن خال والدتها هو الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، رحمه الله، المشهود له بين علماء المسلمين بعلمه الواسع ومؤلفاته المفيدة وقدراته الاستنتاجية العميقة، وعند أهل مدينته - عنيزة بأخلاقه الكريمة وبتسامحه ورحابة صدره مع الصغير والكبير. ولكنها مع هذه الخلفية اللامعة أضحت في العقود الأخيرة، خصوصا بعد أن توفي والدي، رحمه الله، تفاخر بلقب «أم عبد العزيز» وتصر عليه، لا شك اعتزازا بدورها المهم كأم حانية وموجهة لي وإخوتي، ولعل لسان حالها يردد البيت المشهور: لا تقل أصلي وفصلي أبدا....
عندما ولدتني كانت في الخامسة عشرة من عمرها تقريبا، وكانت قبل ذلك بما يقارب السنتين قد تزوجت والدي، الذي كان في أوائل الأربعينيات من عمره، وكان قد رجع للتو من الكويت، حيث أقام لعدة سنوات بعد أن صدم بوفاة زوجته الأولى وأبنائها بالأمراض المنتشرة في ذلك الوقت. (كانت تجربة الوالد في الكويت ثرة ثقافيا وفكريا وعزز نتائج تلك التجربة هجرته التي تلت زواجه من والدتي إلى مكة المكرمة التي كانت تموج بالنشاطات الثقافية والعلمية. ولقد امتد تأثير تلك التجربة إلي وأنا أترعرع في بيت مليء بأدوات ووسائل التثقيف والتعليم، وقد سبق أن تحدثت عن هذا الجانب في مناسبات أخرى).
من القصص الطريفة عن تلك الفترة التي ذكرتها لنا أنها كانت هي وعمتي القريبة منها في العمر، يرحمهما الله، تمضيان أوقات فراغهما باللعب سوية بما في ذلك التراكض على جدران أسطح المنزل في عنيزة، وتتعجب الوالدة وهي تخبرنا بذلك كيف أنهما كانتا غير آبهتين بالمخاطر. الوعي بالعواقب ينمو عند النبيه مع مرور السنين والتهذيب الإنساني يثري الإدراك بمقتضيات السلامة، ومن ثم ذلك التعليق الفطن منها، رحمها الله. لأني ابنها البكر فقد اتخذت علاقتها معي طابعا خاصا، كما هي سيرة الأمهات مع بكورهن، بدءا من فترة الحمل. تقول لي، رحمها الله، إنها في الشهر الأخير قبل الولادة كانت قلقة كثيرا، إذ كانت تسمع بمشاكل الولادة التي تؤدي في بعض الأحيان إلى وفاة الأم. لكن والدتها كانت تطمئنها مشيرة من وراء النافذة إلى جموع المصلين الذين يتدفقون من أبواب مسجد العباس في الطائف، حيث كانت العائلة تقيم خلال ذلك الصيف قبالته، بأن كل هؤلاء ولدتهم أمهاتهم، وكان هذا يشعرها بالطمأنينة. جدتي، رحمها الله، لجأت بذكائها الفطري إلى نظرية الاحتمال لطمأنة أمي والأخيرة استوعبت على صغر سنها وبعفوية لماحة دلالات تلك النظرية. خلال هذه السبعين عاما مرّت هذه العلاقة الخاصة بمراحل عدة أسلو بتذكر الكثير من تفاصيلها سواء في مرحلة ضعف الطفولة أو فوران المراهقة أو ريعان الشباب أو هدوء الكهولة. أتذكر مثلا عندما ساعدتني على فهم قصة يوسف عليه السلام وشرحت لي تفاصيلها، ما عدا بالطبع تلك الحرجة بالنسبة لمن هو في سني آنذاك. كما أتذكر عندما كانت تطبع أرجلنا المصبوغة بالحناء على الورق لترسلها إلى والدتها في مدينة الخرج مفتخرة لا شك أمام والدتها بنمونا. وقد مازحتها منذ سنتين عندما أريتها ابني على شاشة الكمبيوتر وهو يتكلم معنا من أقصى الأرض بأن هذا أفضل من طبع الرجل على الورق فأجابتني بأنها عملت ما كان متاحا لها آنذاك، وكأنها كانت ستضيف وأنت تعمل بما هو متاح لك الآن.
وقد دخلت هذه العلاقة مرحلة جديدة بعد أن يُسر لي التقاعد عن العمل وصار لي من الوقت الكثير أمضيه معها، خصوصا بعد أن عينت في مجلس الشورى وصار حضوري للرياض حيث تقيم متكررا بشكل منتظم. في هذه المرحلة طبع الاعتماد المتبادل العلاقة بيننا، هي تعد بأصابعها الأيام لحين رجوعي للرياض وأنا أتطلع لرؤيتها ولثم يدها وتقبيل رأسها. وأصبحت أمضي معها كل أسبوع عديدا من الجلسات المحببة، خصوصا عند الفطور، أوقاتا حلوة كلانا كان يتطلع إليها، كانت فيها تمتعني بالكثير من الأخبار عن حياتها قبل الزواج وبعده. كما أنها كانت تردد على مسامعي ما تحفظه من أبيات نبطية، حاولت تسجيل بعض منها. في هذه الأوقات كنت أحاول مساعدتها بالقليل الذي تعلمته عن علم نفس المسنين لتحقيق هدفين، الأول منهما هو حثها على الاعتماد على نفسها، والآخر هو تفعيل ما لديها من استعدادات ذهنية، وكنت ألاحظ أنها تشعر بالرضا مما تحققه.
وقد تجلى إيمانها القوي بالله سبحانه وتعالى في مظاهر كثيرة. فمثلا شاهدت كيف تصرفت بصبر واحتساب عند وفاة اثنين من أبنائها وهم في عمر الزهور. ثم إنه تجلى أكثر عند وفاة والدي، رحمه الله، منذ أكثر من ثلاثين عاما، إذ حرصت على بناء مسجد نوته له وأصرت على أن يكون في مكة المكرمة. وتحقق لها ما تريد وأكثر، إذ أصبح المسجد جامعا في حارة سكانها في أمس الحاجة إليه. وبفضل من الله ثم بجهود إمامه أصبح الجامع مركزا لنشاطات دينية عدة مثل تحفيظ القرآن الكريم. ووفاؤها لوالدنا لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد ليشمل زوجته الأولى، إذ طالما حثتنا على الدعاء المستمر لها «لأنه ليس لها عقب يدعو لها» كما حرصت على أن تضحي لها كل عام.
هذه لمحات قصيرة من سيرتها، رحمها الله، وهي وغيرها مما لم يتح المجال لذكره تعطي فكرة ولو موجزة عن سماتها الخيرة وصفاتها الحكيمة، ومن ثم فإنه وقد كانت تفخر بلقب «أم عبد العزيز» فإنه يحق لي أن أنتشي اعتزازا بكونها «أم عبد العزيز».
تغمد الله والدتنا بواسع رحمته وأسكنها فسيح جناته وألهمنا الصبر على فراقها ورزقنا الدعاء المتواصل لها ولوالدنا وجمعنا بهم في مستقر رحمته إنه سميع مجيب.
