يبدو أن زيادة الأحمال التي تعرضت لها شركات الكهرباء نتيجة ارتفاع الطلب، وما نجم عنها من توالي انقطاع التيار في غير منطقة.. قد دفعت بهيئة تنظيم الكهرباء إلى تعجيل إطلاق خطتها، والإعلان عن نواياها التي وصفت بالجادة لإطلاق سوق تنافسية حرة للمتاجرة في الخدمات الكهربائية، وأخرى موازية للإمداد والمتاجرة على أسس ثنائية، باتجاه إعادة هيكلة صناعة الكهرباء وتحلية المياه المالحة، اعتمادا على منطق السوق الحرة، وسياسة العرض والطلب.. حتى قبل أن تفرغ الهيئة من دراسة الجدوى.
وتقول المعلومات التي تناقلتها الصحف: إن هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج قد نجحت في تفعيل الأنظمة واللوائح المتصلة بمنح التصاريح والرخص لنشاطات توليد الطاقة الكهربائية ونقلها وبيعها بالتجزئة والمتاجرة بها وتوزيعها، وكذلك نشاطات الإنتاج وتحلية المياه.. حيث تم منح 18 تصريحا، و17 رخصة عمل لشركات محلية للقيام بنشاط التوليد والإنتاج والتحلية.
وهذه الخطوة في عناوينها الرئيسة تعني أن وزارة الكهرباء أدركت بالتجربة لغة السوق وحتمياتها الاقتصادية التي تقوم على المنافسة كمبدأ رئيس لتقديم الخدمة في إطاريها النوعي والكمي عوضا عن النمط الاحتكاري الذي بدد جهود الشركات طويلا، وأعاق قدرتها على مواكبة حركة النمو المتزايدة، التي تستدعي التوسع المطرد لتلبية حاجات التنمية.. غير أن ما يُخشى منه بإطلاق هذه السوق قبل استكمال دراسات الجدوى.. ومن خلال جهات متخصصة تمتلك أدوات قياس دقيقة ومعمقة.. تستثمر مصادر الطاقة كافة، هو أن تتحول هذه السوق إلى مجرد دكاكين صغيرة للخدمات الكهربائية، غير قادرة على المنافسة الفعلية بالجودة النوعية، ونظام الإدارة والتشغيل.. خاصة أن المعلومات التي رشحت عن الهيئة تشير إلى أنها أسندت دراسات الجدوى، وإعداد الخطط، والدراسات الفنية للشركات التي حصلت على التراخيص نفسها.. كشرط أساسي قبل الشروع في إنشاء النشاط الكهربائي، وليس إلى جهات محايدة أو متخصصة في مجال اقتصاديات الكهرباء، وذلك على اعتبار أن هذا النشاط لا يُمكن تصنيفه على أنه سلعة تجارية وحسب بمعزل عن كونه أحد أساسيات الحياة اليومية في العصر الراهن.
وإذا ما كان المشروع سيتم على مراحل متدرجة، حسبما صدر عن هيئة التنظيم، وأنه لن يتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلا بعد التأكد من النجاح الكامل للمرحلة السابقة، متوقعة أن يستغرق تنفيذ الخطة نحو ثماني سنوات، فإن هذا ما سيخلق شيئا من الاطمئنان، حتى لا يتم البناء على رؤية فضفاضة أو قاصرة عن استيعاب حركة التنمية.. لأن الأمر يتصل بالكهرباء عصب الحياة، لا بسلعة ثانوية يمكن تأجيلها أو البحث عن بدائل أخرى لها.
ونحن إذ نحيي أيّ خطوة تنقل صناعة الكهرباء من خانة الاستهلاك التقليدي إلى مرتبة الصناعة التنافسية، وصولا إلى أفضل الخدمات، وكذلك الحال بالنسبة لتحلية المياه المالحة، في ظل ندرة مصادر المياه، وشحها، وتنامي الشكاوى من قلة المياه في عدد من المدن.. إلا أننا كنا نتمنى لو صاحب هذا الإعلان عن إطلاق السوق رؤية واضحة، ولو من خلال العناوين الرئيسة لاحتمالات الجدوى على المدى البعيد، إضافة إلى الإجابة عن السؤال الأهم حول موقع الاستثمار في الطاقة الشمسية التي تمتلك المملكة منها الكثير والتي خلص عدد من الدراسات الجادة، وآخرها ما جاء على لسان الدكتور مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي الأسبق في أكثر من مناسبة إلى أنها ستكون أكثر مصادر الطاقة فيما يتصل بجدوى الاستثمار في بلادنا، حتى تستند هذه السوق إلى قاعدة معلومات دقيقة من شأنها أن تمنحها كل ما تحتاج إليه من القوة والدعم اللوجستي كمرتكز لصناعة جديدة تأخذ مكانها في اقتصادنا الوطني بما يليق بها، وهي التي تتعامل مع أهم سلعتين استراتيجيتين، تشكلان أساس الحياة في الوطن وقاعدة بنيانه الاقتصادي والاجتماعي.
