الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

استغلال التاريخ .. والتلاعب بالتاريخ

كريس باتن
الأربعاء 29 يوليو 2009 22:14

في كتابها الباهر "استغلال التاريخ والتلاعب به" تحدثنا المؤرخة مارجريت ماكميلان عن مناقشة دارت بين مواطنين أمريكيين عن فظائع 11 من أيلول (سبتمبر) 2001. فسارع أولهما إلى قياس أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) على بيرل هاربر (الهجمة التي شنتها اليابان ضد الولايات المتحدة في عام 1941). فتساءل الثاني: "وما هي بيرل هاربر؟". فرد عليه الأول قائلاً: "كان ذلك حين قصف الفيتناميون الأسطول الأمريكي فبدأت بذلك حرب فيتنام".

إن الذاكرة التاريخية ليست سيئة إلى هذا الحد دوماً. ولكن عالم السياسة الدولية والدبلوماسية يعج بالأمثلة للاستخدام المتعجل غير المدروس للسوابق في تبرير قرارات السياسة الخارجية، وهو ما يؤدي دوماً إلى الكارثة.

كثيراً ما يستشهد الساسة باجتماع ميونيخ ـ في عام 1938 بين أدولف هتلر، وإدوارد دالادير، ونيفيل تشامبرلين، وبنيتو موسوليني ـ كحجة ضد المغامرات الخارجية. وهناك من تحدثوا عن الغزو البريطاني المأساوي لمصر في عام 1956 وكأن جمال عبد الناصر كان تجسيداً لعودة طغاة الفاشية من أيام الثلاثينيات، وأن التساهل معه، كما حدث حين تساهلنا معهم، لا بد أن يؤدي إلى عواقب مأساوية في الشرق الأوسط.

بل لقد اتُـخِذ اجتماع ميونيخ ذريعة لشن حرب فيتنام وحرب الرئيس بوش التي شنها باختياره على العراق. إن تعبير "مهادنة الثلاثينيات" ـ التعبير الذي يستبعد بل يلغي الجهود الدبلوماسية ويستنكر رفض الخيارات العسكرية ـ قيل كي يذكرنا بما قد يحدث إذا لم ندافع عن جنوب فيتنام وإذا لم نسارع إلى غزو العراق. ونحن نعرف ماذا حدث في كل من هذين البلدين.

ولكن أسلوب القياس ليس دوماً على خطأ، وتلك القياسات التي أثبتت خطأها في الماضي قد يتبين لنا أنها على صواب اليوم. كان من بين التحضيرات لحرب فيتنام ما أطلق عليه "نظرية الدومينو". فإذا ما سقط جنوب فيتنام بين أيدي الشيوعيين، فهذا يعني أن دولاً أخرى في جنوب شرق آسيا ستسقط حتماً أمام التمرد الشيوعي.

بيد أن الأمور آلت إلى نهايات مختلفة تمام الاختلاف. فقد أثبتت فيتنام أنها نهاية الخط وليست بدايته. فقد قتل نظام بول بوت البغيض ملايين من البشر في كمبوديا قبل أن تتدخل فيتنام.

وفي أماكن أخرى من المنطقة كانت الرأسمالية، التي روج لها أنصارها بفتح الأسواق، سبباً في تشجيع النمو ودعم الاستقرار. وأنتجت العولمة تأثير الدومينو الخاص بها. فسقطت أحجار الدومينو؛ وارتفع الناتج المحلي الإجمالي؛ وأفلت ملايين من قبضة الفقر؛ وارتفعت معدلات معرفة القراءة والكتابة إلى عنان السماء؛ وهبطت معدلات الوفيات بين الأطفال.

واليوم، فإن أحجار الدومينو قد تكون أكثر اتصالاً بالسياسة الخارجية والسياسة الأمنية، إذا افترضنا أنها لم تكن على القدر نفسه من الأهمية والاتصال في ذلك الوقت.

في أمريكا وأوروبا، ينادي عديد من الناس في هذه اللحظة بانسحاب قوات حلف شمال الأطلنطي من أفغانستان. ويقال لنا إن منظمة حلف شمال الأطلنطي والغرب ليس بوسعهما أن يتكفلا ببناء الدولة هناك، وأن هدف نشر الديمقراطية والرخاء هناك بات حلماً بعيد المنال.

ويرى هؤلاء أن جنود حلف شمال الأطلنطي يموتون عبثاً. فإن عاجلاً أو آجلاً ستستولي طالبان على السلطة من جديد، ولن يجد المنتمون إليها ما يمنعهم من العودة إلى إلقاء حامض النيتريك على وجوه النساء، كما كانت الحال من قبل. ويزعمون أنه من قبيل العنجهية والغطرسة أن نتصور أننا بوسعنا أن نفعل أي شيء لمنع هذا. وإن اختصار الخسائر والرحيل أفضل من الإصرار على البقاء والموت، ومن يستطيع أن يجزم بأن النتيجة سوف تكون اكتساب الإرهابيين المنتمين إلى طالبان مزيدا من الجرأة والقوة؟ وأنهم فضلاً عن ذلك لا يشاركون تنظيم القاعدة بالضرورة أهدافه نفسها.

لا شك أن عديدا من الأخطاء ارتكبت في أفغانستان. فبعد الإطاحة بنظام طالبان، لم يرسل الغرب العدد الكافي من القوات لمد سيطرة الحكومة الوطنية في كابول إلى البلاد بالكامل. ومن الواضح أن إدارة بوش ركزت كل اهتمامها على التحضير لحرب العراق.

فكانت خطوات التنمية بطيئة. وتخلفت جهود بناء الجيش الأفغاني وقوات الشرطة الأفغانية. واتسعت مساحة الأراضي المزروعة بالخشخاش. وفي بعض الأحيان كان الرد العسكري على التمرد في غاية الخشونة والقسوة؛ وفي أحيان أخرى كان الرد هزيلاً واهناً. لقد جلب الغرب على نفسه المتاعب حين بدا وكأنه يسعى إلى عزل الباشتون.

إن الغرب قادر على القيام بدور أفضل من هذا، وليس لدي أدنى شك في ذلك. ولكن الحجج المناصرة للانسحاب واهية، ولسوف يسفر الانسحاب عن عواقب وخيمة في باكستان أيضاً، كما في أفغانستان. إذا إننا نترك أفغانستان لطالبان على أمل أن يتحول أنصار طالبان إلى مواطنين عالميين أكثر تحضراً، ولكن هل فكرنا حتى في العواقب الوخيمة التي قد تتحملها باكستان؟ هنا نأتي إلى مسألة حجارة الدومينو ـ كان تصرفنا خطأ في فيتنام ولكنه ليس خطأً بالضرورة في شبه القارة الآسيوية الجنوبية.

إن أفغانستان تشكل الاختبار الأكبر بالنسبة لحلف شمال الأطلنطي. فقد وعد التحالف بإتمام المهمة حتى النهاية. وإذا تخلى عن المهمة الآن، فترك البلاد للفقر والتحامل وتجارة الخشخاش، فماذا قد يحدث؟

وما الذي يجعل أي شخص في باكستان يتصور أن الغرب جاد في رغبته في دعم هذه الدولة باعتبارها بلداً ديمقراطياً إسلامياً؟ وهل يساعد مثل هذا القرار في تحويل الدفة ضد طالبان؟ وهل يشجع هذا العمال المحترفين وعمال الحضر في باكستان من أبناء الطبقة المتوسطة، الذين يشعرون بالاشمئزاز إزاء تجاوزات المتطرفين، على تصيد وإبعاد الأصولية والتطرف؟ وهل يؤدي هذا إلى تعزيز قوة العناصر المعتدلة في المؤسسات السياسية والعسكرية؟ أظن أن لسان حال الغرب يقول: "يمكنكم الاعتماد علينا، ولكن لا تنظروا إلى أفغانستان المجاورة لكم، حيث ستدركون أنكم لا يمكنكم الاعتماد علينا".

إذا سقطت الأسلحة النووية الباكستانية بين أيدي الإرهابيين، فسوف تكون العواقب وخيمة، حيث سيشجعهم هذا على تصدير الإرهاب. ولنفكر في الهند وكشمير. فكيف ستكون نظرة حكومة الهند إلى المستقبل إذا ما سقطت باكستان بين أيدي الأصوليين؟

يتعين على الغرب أن يتم مهمته في أفغانستان ـ وأن يؤديها على أكمل وجه. ففي بعض الأحيان تتساقط أحجار الدومينو الواحد تلو الآخر. وهذا ليس بالمصير الذي قد يرحب به أي إنسان في جنوب آسيا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية