كنت أشرت في المقال السابق إلى أن بعض مؤسساتنا العلمية والأكاديمية مازالت معلقة بمقولات العرب في منتصف القرن الميلادي الأول (600م) وصفوا التغيرات (الطقسية) بعبارات الهقعة التي إذا خرجت تقوص الناس للقلعة ورجعوا عن النجعة وأردفتها الهنعة. وإذا طلع الدبران استعرت الذبان ورمت، حيث شاءت نفسها الصبيان. وأشرت إلى أن تلك اللغة التراثية تتحدث وكأن أقاليم العرب إقليم واحد.
العرب جغرافيا لا ينتمون إلى إقليم واحد حتى نسقط عليهم كل ما قالته العرب وكأن عربية القبلية واللسان والثقافة لا بد أن تكون مشتركة في عربية الجغرافيا والجيولوجيا والمناخ والطقس.
عرب وسط الجزيرة العربية يختلفون جغرافيا وطقساً عن عرب جنوب الجزيرة وشمالها. وعرب الشام يختلفون عن عرب مصر والشمال الإفريقي والمغرب العربي وعن عرب الخليج.
الأمر الآخر, ما هو دور المؤسسات العلمية والأكاديمية والجهات الحكومية في تطوير الدراسات البيئية وخاصة المناخ والطقس والظواهر الطبيعية من نشاط الرياح والأتربة والرمال إن كانت تلك العوالق وافدة أو مصدرها محلي ومن خلال تلك الدراسات والأبحاث يمكن تحديد الاستيطان المستقبلي لمدننا وقرانا بعيداً عن ممر العواصف الرملية التي يتوقع لها أن تزيد وتنشط خلال السنوات المقبلة، وقد تكون جزءا من التكوين الموسمي لأن هذه العوالق الترابية تهاجم أول جهاز دفاعي ومناعي للإنسان وهو الجهاز التنفسي، حيث لا تنفع معه الأمصال والتطعيمات، إضافة إلى انعكاساته السلبية على النشاط السكاني والاجتماعي والصحي والاقتصادي.
وكيفية معالجة هذه المشكلة والتكيف معها إذا كانت لدينا خطة لإعادة رسم خريطة جديدة للاستيطان تأخذ في الحسبان ممرات العواصف الترابية التي تهب على المملكة وتلك العواصف المحلية التي تثير الرمال في مناطق تجمع الرمال الكبيرة.. فالمملكة ينصفها ويحيط بها قوس رملي كبير يمتد من شمال غرب وسط المملكة وحتى جنوب شرق المملكة من النفود الكبير في الجوف مرورا بالوسط بنفود السياريات والثويرات والدهناء وحتى الربع الخالي في جنوب المملكة، إضافة إلى تجمعات رملية مثل: الجافورة وعريق البلدان ونفود العريق ونفود السر ويقابل ذلك ظواهر جغرافية أخرى مثال الجبال والهضاب والحافات وتكوينات الدرع العربي وظواهر أخرى من السواحل والخلجان في البحر الأحمر والخليج العربي. ما نريد قوله هو قول عرب الألفية الثالثة التي تمتلك التقنيات والأقمار الاصطناعية وأجهزة الرصد والتي تقيس الأسبار بدلاً من الاعتماد على مقولات قالتها العرب في منتصف الألف الأول بعد ميلاد المسيح عليه السلام.
