تضطلع مراكز خدمة المجتمع في الجامعات وبعض المؤسسات المتخصصة في كل بلاد العالم حتى ما يسمى بالدول النامية كالهند وماليزيا، بدور كبير في رصد وقائع التحولات الاجتماعية، وما يطرأ عليها من متغيرات، ودراسة كل الظواهر والمشكلات الاجتماعية، وربطها بأسبابها، للوصول إلى قراءات موضوعية لها تفضي بالنتيجة إلى ما يلزم من التدابير التي تضمن وضعها في إطارها الصحيح.
في المملكة, هناك عدد من المراكز التي تهتم بخدمة المجتمع على الأقل كعنوان توصيف لها.. لكننا أخشى ما نخشاه أن ينطبق عليها ذلك المثل العربي (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، فهي لم تسجل من الحضور ما يشفع لها حمل هذه التسمية، رغم بروز عدد من الظواهر والمشكلات الاجتماعية الخطيرة، التي تستدعي الدراسة والإحصاء والتحليل لتصنيفها ما بين الظاهرة والمشكلة، ومن ثم قراءة الظروف والدوافع المحيطة بها, سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، والخروج بالاستنتاجات التي يُمكن وضعها في تصرف أصحاب القرار لبناء ما يلزم من القرارات في ضوئها.
تصدمنا الصحف كل يوم تقريبا بأخبار مؤسفة ومؤلمة تقشعر لها الأبدان من وزن: ابن عاق يضرب والدته, أو والد يقتل أطفاله طعنا، أو شقيق يقضي على شقيقه ... وهكذا، وكل ما نجده من التعليقات حول هذه الجرائم لا يبتعد عن أحد أمرين: إما الزعم بأن هذه الجرائم غريبة على مجتمعنا وكفى، أو نسبتها إلى الأمراض النفسية، والتذرع بأن هذا الفاعل أو ذاك كان قد راجع عيادة نفسية قبل عشر سنوات.. هذا في الوقت الذي تتوالى فيه النصائح من المختصين على الجميع بضرورة مراجعة العيادات النفسية، والتعامل معها كعيادات الطب العام، والدعوة إلى التخلص من الخجل من مراجعة هذه العيادات تحت طائلة تهمة الجنون أو الاضطراب النفسي، وهذه الرؤية الملتبسة التي تجعل من مراجعة عيادة نفسية في موقع التهمة عند حدوث أي جريمة، والدعوة إلى التخلص من حذر مراجعة عيادات الطب النفسي في الوقت نفسه، توقع كثيرين في مأزق التصديق بجدوى ما يُقال في هذا السياق، كما تكشف بالتالي عجز مراكز خدمة المجتمع عن الاضطلاع بدورها، في تصحيح الرؤى، وقراءة المشكلات وربطها بأسبابها ودوافعها، واجتراح الحلول الملائمة لها، وكأنها غير معنية بما يحدث، أو كأن ما يحدث.. يحدث في أرض أخرى ومجتمع آخر لا صلة لنا به من قريب أو بعيد.
ونحن نقدر حتما أن هذه المراكز لم تأخذ ما تستحقه من العناية على أهمية دورها، سواء من حيث المختصين من الباحثين المؤهلين, أو التمويل الكافي لمشاريع الدراسة والاستقصاء.. غير أن هذه المعوقات لا يجوز أن تقف حجر عثرة عن البدء على الأقل بإثبات الحضور على الساحة الاجتماعية، والخروج من إسار المكاتب، انطلاقا من قاعدة أن المجتمعات التي لا تستطيع قراءة وقائعها وواقعاتها لتتصدى لها بما تستحقه من أدوات التصحيح.. ستظل كقطعة الإسفنج التي تمتص كل شيء دون أن تمتلك القدرة على الاستساغة أو الرفض، وهذا ما يُفاقم من المشكلات ويُراكمها فوق بعضها حتى تستعصي على الحل، مع ما في هذا التراكم من خسائر موجعة على صعيد العلاقات الاجتماعية، والسلوك الإنساني.
ثم إن الاكتفاء بإحالة تلك المشكلات إلى الانحرافات النفسية دون دراسة أسبابها على أسس علمية دقيقة، لن يحقق ما هو أكثر من التملص من مواجهتها بقذفها ككرة ملتهبة في وجه علة المرض النفسي، في حين أن الواجب يستدعي الذهاب إلى الجذور لمعرفة أسباب هذا المرض إن كان هو المتهم الحقيقي، وأسباب تجاوزه إلى هذه الخانة المتقدمة من العدوانية التي تطعن أنبل العواطف الإنسانية وأسماها, وهي عاطفة الأبوة والأمومة.
إذن لا بد من أن نولي مراكز خدمة المجتمع كل الاهتمام وكل العناية.. لتقوم بدورها كخط دفاع أول عن هذه الاختراقات والانتهاكات البشعة التي باتت تضرب مجتمعاتنا في مقتل.
