كنت قد أشرت في المقال السابق إلى أن البيئة - بإذن الله - هي المقرر الأقوى في الاستيطان البشري، وذكرت أن المجتمعات النهرية والمطرية هي أسرع من غيرها إلى التحضر والتقنية, وأشرت أيضاً إلى أن الصين والهند أكثر استقراراً سكانياً، حيث بلغ (2.5) مليار من البشر وهذا يعود - بإذن الله - إلى البيئة الطبيعية التي ساعدت على تركز السكان تاريخيا في أقاليم تلك البلدان.. دول الخليج أوجدت معادله جديدة في تأسيس المدن وهي معادلة: تحلية مياه البحر. وإن كانت مكلفة إلا أنها عوضت ـ بإذن الله ـ النهر والمطر. فعلى ضفتي الخليج العربي نمت دول ومدن كانت تعيش على الصيد وضرائب التجارة البحرية وتقيم بيوتها على أرض مملحة وسبخات طوبها من (فرش) الملح وأعشاش الصيادين معادلة التحلية أدت إلى مدن عالمية تنافس المعمار العالمي وتسبق مدن النهر والمطر والبحيرات.. كما نمت دول ومدن على ضفتي البحر الأحمر كانت محصورة بين درعين صخريين هما الدرع العربي والدرع الإفريقي موصوفة بقلة المياه الجوفية وتعيش على مياه الأمطار لذا تغيرت معادلة النهر والمطر بعد أن دخلت التحلية كطرف ثالث لقلب معادلة المياه العذبة ليصبح أنبوبا من مياه التحلية يعادل ربما نهرا جاريا يتدفق من أواسط إفريقيا كما هو النيلين الأزرق والأبيض و(أراضي الهلال الخصيب) دجلة والفرات من أواسط تركيا وهبة الشام بردى وبعض أمطار اليمن المدارية.. بلا شك أن أنبوب التحلية مكلف لكنه يبني المدن والقرى التجارية والاستراتيجية ومع المزيد من التخطيط لإنشاء المدن لتكون قريبة من ساحل البحر وبذلك نكون قد أوجدنا مدن تحلية لا مدن ملح تنهار وتموت إذا أجدبت الأرض وقل المطر أو قرر الآخر فيما وراء الحدود حجب مياه النهر وأقام السدود والبحيرات ليجفف أو يخفض من منسوب مياه النهر. وحتى نقيم هذه المعادلات علينا عربياً إنشاء أكاديميات للمياه والبحر والتصحر والاستيطان جامعات تتخصص لهذه الدراسات والبدائل من أجل إعادة التوطين وتوزيع الاستيطان وبناء مدن ليست مدن ملح ولا مدن تعتاش وترتوي من أنهر الآخرين ويهددها الآخر بالسدود والأحواض والبحيرات. كذلك علينا إعادة هندسة الأدوية لاستثمار مياه الأمطار التي تنتهي في البحر أو التي تغوص في الرمال أو تلك التي تبقى حارة في المستنقعات الصلصالية.
مدن التحلية لا مدن الملح (2 من 2)

عبدالعزيز بن جار الله الجار الله،
عبدالعزيز بن جار الله الجارالله
السبت 25 يوليو 2009 4:57