الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ثورة الطاقة العالمية والأسعار المعقولة

فاتح بيرول
السبت 25 يوليو 2009 4:49

إن مستقبل الجنس البشري، ناهيك عن رخائه وازدهاره، يتوقف على الكيفية التي سيتعامل بها العالم مع تحديين مركزيين مرتبطين بالطاقة: تأمين إمدادات ثابتة من الطاقة بأسعار معقولة والتحول إلى مصادر الطاقة الفعّالة المنخفضة الكربون.

والسيناريو المرجعي - الذي لا يشتمل على سياسات جديدة - الوارد في تقرير توقعات الطاقة العالمية الصادر عن وكالة الطاقة الدولية عام 2008 يتوقع زيادة سنوية في الطلب العالمي الأولى على الطاقة تقدر بنحو 1.6 في المائة في المتوسط حتى عام 2030، ليرتفع من 11730 مليون طن من مكافئ النفط إلى ما يزيد قليلاً على 17010 ملايين طن من مكافئ النفط ـ وهي زيادة قدرها 45 في المائة في مدة تزيد قليلاً على 20 عاماً.

ستمثل الصين والهند ما يزيد قليلاً على نصف هذه الزيادة، وستسهم بلدان الشرق الأوسط بزيادة قدرها 11 في المائة على الطلب. والبلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عموماً ستكون مسؤولة عن 87 في المائة من الزيادة على الطلب، وهذا يعني أن حصة هذه البلدان في الطلب على الطاقة الأولية العالمية سترتفع من 51 في المائة إلى 62 في المائة.

من المتوقع أن تأتي أغلب الزيادات في إنتاج النفط من عدد قليل من البلدان - في الشرق الأوسط أساساً- ولكن في كندا أيضاً بفضل احتياطياتها الهائلة من الرمال النفطية، ومنطقة بحر قزوين، والبرازيل. وسيتضاعف إنتاج الغاز إلى ثلاثة أمثاله في الشرق الأوسط، ومثليه على الأقل في إفريقيا، حيث تتوافر احتياطيات ضخمة منخفضة التكلفة. إن هذا الاتجاه المتمثل في زيادة اعتماد البلدان المستهلكة على إمدادات الطاقة المقبلة من عدد ضئيل من البلدان المنتجة يهدد بتفاقم المخاوف المتصلة بأمن الطاقة. ولقد ساعدت المواجهة التي نشأت بين روسيا وأوكرانيا في عام 2009 في التأكيد على هذه المخاوف في أوروبا، حيث من المنتظر أن ترتفع واردات الغاز إلى 86 في المائة من إجمالي الطلب بحلول عام 2030، بعد أن كانت 57 في المائة في عام 2006.

لا شك أن زيادة الاعتماد على الواردات لا تعني بالضرورة انحدار أمن الطاقة، كما لا يضمن الاكتفاء الذاتي إمدادات لا تنقطع. ولكن تفاقم حالة انعدام الأمن في الأمد القصير يبدو أمراً لا مناص منه مع تضاؤل التنوع الجغرافي للمعروض ونمو الاعتماد على الإمدادات غير المضمونة.

من المتوقع أيضاً أن تتفاقم المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة في الأمد الأبعد. ومع تمثيل مجموعة صغيرة من البلدان للاحتياطيات العالمية المتبقية من النفط فإن الهيمنة على السوق من جانب هذه البلدان قد تهدد معدلات الاستثمار. فكلما ارتفع الطلب على النفط والغاز تزايدت احتمالات سعي هذه المجموعة إلى رفع الأسعار، والإبقاء عليها مرتفعة من خلال تعطيل وتأجيل الاستثمار والحد من الإنتاج. من الواضح أن النمو غير المقيد في الطلب على الطاقة من شأنه أن يخلف عواقب وخيمة على المناخ أيضاً. وفي إطار السيناريو المرجعي، الذي يمثل ''العمل كالمعتاد''، تشير وكالة الطاقة الدولية إلى النمو المستمر في مستويات ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة للانحباس الحراري؛ ومن المتوقع أن ترتفع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 45 في المائة بحلول عام 2030، مع إسهام غازات الانحباس الحراري الأخرى في ارتفاع درجات الحرارة بمتوسط قد يبلغ ست درجات مئوية. سوف تأتي ثلاثة أرباع ثاني أكسيد الكربون الإضافي من الصين والهند، والشرق الأوسط، وستبلغ الزيادة الناتجة عن البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عموماً 79 في المائة ـ رغم أن الانبعاثات الناتجة عن الفرد في البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستظل أقل كثيراً في المتوسط من مثيلاتها في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولن يخالف هذا الاتجاه العالمي سوى الاتحاد الأوروبي واليابان، حيث ستنخفض الانبعاثات هناك عن مستوياتها اليوم بحلول عام 2030.

إن قطاع الطاقة يتسم بانخفاض مستوى إحلال رأس المال نسبياً، وذلك بسبب طول فترة بقاء القسم الأكبر من بنيته الأساسية. والتقنيات الأكثر كفاءة تستغرق عديدا من السنوات عادة قبل أن تنتشر في مختلف أنحاء قطاع الطاقة. ونتيجة لهذا فإن كلاً من القطاعين العام والخاص لابد أن يتقبل الحاجة إلى استثمارات إضافية، فضلاً عن التكاليف المحتملة للتقاعد المبكر لرأس المال، وذلك من أجل التعجيل بهذه العملية وتحقيق انخفاضات كبيرة في مستويات الانبعاثات.

وطبقاً لاثنين من سيناريوهات وكالة الطاقة الدولية فيما يتصل بالسياسة المناخية يتبين لنا كيف يمكننا تثبيت تركيزات غازات الانحباس الحراري عند مستوى 550 أو 450 جزءا من المليون من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وسيناريو الـ 550 يعادل زيادة في درجات الحرارة العالمية تبلغ ثلاث درجات مئوية تقريباً، بينما يعادل سيناريو الـ 450 زيادة تبلغ درجتين مئويتين. وطبقاً للسيناريو الأول فإن الطلب على الطاقة حتى عام 2030 يرتفع بنسبة 32 في المائة تقريباً، مع هبوط حصة الوقود الأحفوري بصورة ملحوظة، ومتوسط ارتفاع سنوي في الطلب يبلغ 1.2 في المائة، مقارنة بنحو 1.6 في المائة طبقاً للسيناريو المرجعي. وستبلغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بقطاع الطاقة ذروتها بحلول عام 2025 ثم تبدأ بالانحدار التدريجي الطفيف بحلول عام 2030.

ويمثل السيناريو الثاني تحدياً هائلاً, حيث سيكون مستوى الانبعاثات على مستوى العالم بالكامل بحلول عام 2030 أقل من مستوى الانبعاثات المتوقع بالنسبة للبلدان غير الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وحدها طبقاً للسيناريو المرجعي. أو بعبارة أخرى، حتى إذا نجحت بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في خفض انبعاثاتها إلى الصفر، فلن تتمكن وحدها من وضع العالم على مسار الـ 450 جزءا من المليون. ولكي يحدث هذا فإن الأمر يتطلب تحولاً تكنولوجياً غير مسبوق ـ من حيث حجمه وسرعة انتشاره.

النبأ الطيب هنا هو أننا بتنا نعرف عديدا من السياسات والتقنيات القادرة على تحقيق توفير ملموس في استهلاك الطاقة وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولكن اتخاذ وتنفيذ القرارات السليمة لابد أن يبدأ الآن.

إننا نتحدث عن تغييرات كبيرة في نمط الاستثمار عبر سلاسل العرض والطلب، فضلاً عن زيادات إضافية ضخمة في الإنفاق على مخزون جديد من رأس المال، وخاصة في محطات توليد الطاقة وفي الاستعانة بمعدات وأجهزة أكثر كفاءة في استخدام الطاقة. ورغم أن حجم هذا التحول يعني وضع عبء إضافي كبير على عاتق كل من القطاعين العام والخاص، فإن الأزمة المالية الحالية لابد أن تستغل كفرصة وليس كحاجز يحول دون انطلاق هذا التحول.

وستلعب الطاقة المتجددة دوراً رئيساً. فمن المفترض أن يتضاعف إجمالي توليد الطاقة الكهربية المعتمد على مصادر الطاقة المتجددة (طاقة المياه والرياح في الأساس، إضافة إلى الطاقة الشمسية والكتلة الحيوية) بين عامي 2006 و2030. وفي الاتحاد الأوروبي من المفترض أن ترتفع حصة الرياح في إجمالي توليد الطاقة إلى 14 في المائة بحلول عام 2030، من 2 في المائة فقط اليوم، وستكون طاقة الرياح مسؤولة عما يزيد على نصف إجمالي الزيادة في توليد الطاقة في الاتحاد الأوروبي. وطبقاً لسيناريو الـ 450 جزءا في المليون فسوف تشكل مصادر الطاقة المتجددة 30 في المائة من مزيج توليد الطاقة في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 10 في المائة فقط اليوم.

يتعين على الحكومات أن تحفز هذا التحول. وتشكل إشارات الأسعار الواضحة، بما في ذلك تسعير الكربون، أهمية حاسمة في هذا السياق، وبإمكان أغلب البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تستفيد من إلغاء دعم الوقود، إلى جانب احتياجها إلى الدعم المالي لمساعدتها في خفض انبعاثاتها من الغازات المسببة للانحباس الحراري.

غير أن مؤشرات الأسعار الواضحة لا تكفي. ذلك أن المستقبل المنخفض الكربون يتطلب إحراز تقدم هائل في تطوير ونشر التكنولوجيا. وتستطيع الحكومات أن تخلق الحوافز للإبداع، فضلاً عن تشجيع البحث وهدم الحواجز الدولية. والكثير من النفقات الإضافية لابد أن تتحمله الأسر، مدفوعة بتغيير عميق في المواقف الاجتماعية في التعامل مع كفاءة استخدام الطاقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية