الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

لم يختلف المحللون السياسيون على أن الأزمة التي شهدتها إيران عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت الشهر الماضي هي أزمة غير مسبوقة بكل المقاييس منذ قيام نظام ولاية الفقيه قبل ثلاثين عاما، وهي بلاشك هزت النظام القائم بشدة وأربكته في تعامله مع قضية الخلاف على صحة نتائج الانتخابات، بل ويمكن القول أنها المرة الأولى التي تهتز فيها المكانة الدينية (المقدسة) لولي الفقيه الذي يطلق عليه قائد الثورة ومرشد الجمهورية الذي منحه الدستور الإيراني الحق في أن يكون أعلى من جميع السلطات وأن يكون دوما صاحب القول الفصل في كل الأمور المختلف عليها والمتنازع حولها بين الأطراف الإيرانية سياسية كانت أو دينية... فلأول مرة يصدر المرشد توجيهاته ويحسم الخلاف لصالح الرئيس المرشح أحمدي نجاد وإذا به يفاجأ بتصاعد نبرة المعارضين الذين هم في الحقيقة جناح آخر في إطار نفس النظام القائم، وإصرارهم على مواصلة النزول للشارع والمطالبة بإلغاء النتائج المشكوك في صحتها!

لم يحدث مثل هذا الأمر من قبل طوال الأعوام الثلاثين الماضية، ولم يسبق للمرشد الحالي آية الله علي خامنئي أن يجد نفسه في مثل هذا الوضع الحرج، فالمعترضون هم من أبناء النظام نفسه وهم امتداد لمدرسة الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي ويعلم المرشد أنهم ليسوا علمانيين أو يساريين أو حتى ليبراليين، ومع ذلك لم تجد الأجهزة الأمنية أسهل من أن تصمهم بالتخابر مع المخابرات المركزية الأمريكية واستلام الأموال منها في حالة تذكرنا بحال الأنظمة الثورية العربية وغير العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي عندما كانت ترمي كل معارضيها بذات التهمة.. ورغم الهدوء الذي التزم به معارضو نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية في الأيام الأخيرة إلا أن القضية لم تنته بعد، فما حدث سيجعل الآيات والحجج الذين يقفون على رأس النظام ويمسكون بمفاصله مضطرين خلال الفترة القادمة لمراجعة الكثير من السياسات التي يمارسونها ويظنون أنها تحمي النظام وتحميهم، فهم يدركون جيدا أن ما حدث كان زلزالا بكل المقاييس وينبغي ألا يتكرر أو بمعنى أصح لا ينبغي توفير الذرائع التي قد تتيح له أن يتكرر ويتحول إلى حالة عامة يصعب السيطرة عليها.

وعلى كل حال فالشيء المؤكد في مسألة الانتخابات الرئاسية الإيرانية أن الجميع كان يدرك استحالة حسم نتائجها منذ الدورة الأولى ليس فقط بسبب تدني شعبية الرئيس الحالي أحمدي نجاد بل لأن كل الاستطلاعات كانت تؤكد أن شعبية المرشح الإصلاحي (مير حسين موسوي) كبيرة وأن المرشحين الرئيسيين لن يتمكنا بسبب ذلك من حسم النتائج من الدورة الأولى إضافة إلى سبب رئيسي آخر وهو وجود مرشح محافظ آخر هو محسن رضائي قائد الحرس الثوري السابق ومرشح إصلاحي آخر هو رئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، وكلا المرشحين الأخيرين سيسحب بالتأكيد من رصيد المرشحين الرئيسيين، ومن ثم فإن جميع المؤشرات تؤكد استحالة حسم النتائج من الدورة الأولى، وهو ما كان يراهن عليه المرشح الإصلاحي الرئيسي حسين موسوي إذ يبدو أنه كان يضمن نجاحه في الدورة الثانية وربما كان ذلك الأمر نفسه هو ما يتوقعه النظام القائم الذي أدرك أن عودة نجاد للسلطة مرهونة بحسم المعركة الانتخابية من الدورة الأولى بأي شكل من الأشكال، وأن الذهاب إلى دورة ثانية سيشكل خطرا كبيرا على فرص الرئيس نجاد في العودة للحكم باعتباره المرشح المفضل للمرشد الأعلى والمؤسسة الدينية التي تحكم السيطرة على زمام الأمور.

ولذلك كانت الصدمة عنيفة جدا لدى التيار الإصلاحي بإعلان فوز الرئيس أحمدي نجاد من الدورة الأولى، وكان رد الفعل الذي حدث بنزول عشرات الآلاف إلى الشوارع للاعتراض على النتيجة والطعن فيها والمطالبة بإعادة الانتخابات.. لكن النظام كان قد حزم أمره باستحالة الاستجابة لهذه المطالب، وقرر المرشد الأعلى إلزام مجلس صيانة الدستور بإعادة فرز 10% من صناديق الاقتراع بصورة عشوائية لامتصاص غضب المحتجين لكن الاحتجاجات تصاعدت ولم تتوقف وأبدى المرشحان الإصلاحيان حسين موسوي ومهدي كروبي رفضهما المطلق الأمر الذي أعطى زخما كبيرا لأنصارهما... وفيما اعتقد بعض المراقبين أن النظام على وشك السقوط فإن البعض الآخر منهم الذين يدركون بعمق حقيقة تركيبة النظام كانوا يعلمون أن النظام أقوى من أن يسقط وأن نجاد سيمارس مهامه رئيسا لأربع سنوات قادمة وأن الإصلاحيين سيقررون عاجلا أم آجلا تأجيل معركتهم لانتخابات 2013 وحتى ذلك الحين هم يعلمون جيدا أن النظام والمرشد تحديدا سيعيد النظر في كثير من الأمور التي أدت إلى حدوث هذا الزلزال السياسي الذي تبدو إيران في غنى عنه تماما في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها المعاصر!

يدرك من يفهم تركيبة النظام في إيران أن الإصلاحيين هم جزء لا يتجزأ منه، وأن موسوي لو كان قد نجح في الانتخابات الرئاسية فإنه لن يفرط – على سبيل المثال – بحق إيران في امتلاك الطاقة النووية وأنه لن يذهب ليعترف بإسرائيل أو يقطع علاقات بلاده بالجماعات الشيعية في المنطقة أو ليخفف من نفوذ بلاده في العراق، ليس فقط لأن رئيس الجمهورية هو عبارة عن الأداة التنفيذية للسياسات التي يقررها ولي الفقيه مرشد الثورة بل أيضا لأن هناك خطوطا حمراء يتفق عليها الجميع بمختلف اتجاهاتهم... ولعل الفارق الأساسي هو أن الإصلاحيين يؤمنون بأن المزيد من الانفتاح الداخلي والخارجي على السواء هو الذي سيحافظ على الثورة فيما ترى المؤسسة الدينية المتشددة بطبيعتها أن مثل هذا الانفتاح وإن كان بسيطا سيؤدي إلى انفلات القوة من بين يديها الأمر الذي سيقود إيران إلى المجهول.. وبين الرؤيتين تكمن الأزمة وهي أزمة ستستمر وتتواصل تهدأ حينا وتشتعل حينا آخر ولن يفصل فيها إلا الشعب الإيراني نفسه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية