لقد مر اقتصاد المملكة من زمن الندرة إلى زمن الوفرة، من اقتصاد العسر إلى اقتصاد اليسر، لكن السيرة الذاتية لهذا الاقتصاد ظلت حتى اللحظة بحاجة إلى كتاب مرجع يؤرخ لمسيرته ويوصفه ويشخصه انطلاقا من ظروفه، مكوناته، خصائصه، قراراته، مؤسساته، آلياته وتطوراته.
لو أن أجنبيا، من الغرب أو الشرق، مستثمرا أو طالب معرفة سأل عن مثل هذا الكتاب لما أسعفناه به ولا حتى بمدونة إلكترونية ولأحلناه إلى وثائق خطط التنمية، وتقارير مؤسسة النقد والتقارير الإحصائية لبعض الجهات ذات العلاقة وإلى أوراق منتدياتنا الاقتصادية ومؤتمرات رجال الأعمال وإصدارات الغرف التجارية وإلى مقالات الصحف والمجلات، وكذلك إلى مذكرات كليات الاقتصاد في جامعاتنا، فضلا عن بعض الكتب التي ناقشت قضايا التنمية الاقتصادية في بلادنا من هذا الجانب أو ذاك.
إن اقتصادنا بحاجة إلى كتاب مرجعي شامل مكثف يعرف به، يوضح كيف مر بتحولات درامية مثيرة: من اعتماد على كلأ المرعى، الحبوب، التمر، الأقط، الجراد، السمن وما تجلبه القوافل، وما تيسر من لحوم الأباعر والغنم إلى اعتماد على ما يفيء به موسم الحج أو العمرة وموارد رسوم الجمارك، حتى أدار الملك المؤسس عبد العزيز، يرحمه الله، صنبور ضخ أول شحنة للنفط من البئر رقم (7) معلنا بشارة موسم الهجرة إلى زمن اليسر في 29 أيار (مايو) 1939.
إن مهمة هكذا كتاب ينبغي أن تتولى التعريف باقتصادنا وتقديمه من خلال قطاعاته الخدمية والإنتاجية وبنيته الهيكلية، وأبرز خصائصه والعناصر الأساسية المكونة له من ثروات طبيعية وغيرها وامتيازات المناطق النسبية والعوامل المؤثرة في تطوره في الحاضر والمستقبل، وتبيان استراتيجيته على المديين البعيد والمتوسط ومجموعة السياسات الاقتصادية ودورها في زيادة النمو والاستقرار الاقتصادي، وفي تفعيل أدوات عمل السوق وآلياته بكفاءة وفي إقامة وتطوير البنى الأساسية الفيزيقية والاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية والبيئية، ودور الدولة فيه ودور القطاع الخاص وتفاعله مع الاقتصاد العالمي والميزات النسبية والتنافسية له، وكذلك استشراف المستقبل، والإمكانات المتاحة في الموارد المستدامة فيه كالطاقة الشمسية وطاقة البحار والرياح، ودور العلوم والتقنية في استثمار هذه الموارد وغيرها من موارد جديدة وفي زيادة كفاءة وإنتاج القائم منها.
مائة عام من الاقتصاد، قام أمسه على استثمار مكونات البيئة دون عوادم فلا شيء كان يرمى – مثلا - من النخلة، فيما بدأ حاضره منذ نشر النفط فينا ظله الوارف: علما، صحة، زراعة، صناعة، تجارة، وعمارة.. فأحدث تحولا جذريا في الثروة البشرية والثروات الأخرى وعبر بنا من تلمظ طعم الأقط إلى التمتع بأطايب طعام الشرق والغرب، من صراف على حصيرة إلى مؤسسة للنقد وبنوك وهيئة لسوق المال، من دهاليز سوق الديرة إلى (المولات) والشركات الكبرى والمؤسسات، من الدواب إلى وسائل النقل الحديثة، من بيوت الطين إلى الفلل والقصور، من حانوت عطارة إلى المستشفيات، من حلقة المطوع إلى المدارس والجامعات، من بلد كان ينتظر على رصيف البحر باخرة تصل بعد شهور إلى مئات البواخر رائحة غادية، ومن ميزانية قدرها (172.9) مليون ريال عام 1365هـ إلى ميزانية قدرها (450) مليار ريال عام 1429هـ، من شحنة نفط قدرها (1585) برميلا يوميا إلى شحنات بلغت (12) مليون برميل يوميا.. رواية اقتصادية واقعية كم بات من المهم أن تسجل الكيفية التي تم بها تحول هذا الاقتصاد الذي لم يكن شيئا مذكورا فصار اليوم ينافس على سمعة أفضل البيئات الجاذبة للاستثمار، ويشكل ثقلا نوعيا في موازين الاقتصاد العالمي ويلعب دوراً مؤثراً أدخله مجموعة الدول الـ 20.. فهل من المعقول أن يظل اقتصاد له هذه الصدارة دون مرجع يقدمه على نحو يليق به؟!
