الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

"مقتطفات من خطاب سمو الأمير نايف في حفل عشاء مكة"

عندما يذكر الرجل الثالث في قيادة البلاد والمسؤول الأول عن الأمن على مدى عقود هذه الكلمات علينا الاستمتاع والتفكير أن البلاد مرت بحالة التسييس في المنطقة التي تلت تغيير العقلية على عدة أصعدة منذ أحداث 11/9 إلى أن وصلنا إلى اكتمال النصر أمنياً وحالة من التفوق السياسي وحماية المقدرات الاقتصادية. أي مراقب عادل سيعطي المملكة علامات عالية في سلم التفوق والتمكن من السيطرة على عملية تحول كبيرة حملت مخاطرة معتبرة ولكن حنكة وثبات القيادة كان لهما دور حاسم. لعل الحس التاريخي يسعفنا في القول إن هذا عن إنجاز تم، وكما يعرف في العلوم المجتمعية فإن نجاح المنجز تتعاظم قيمته بالارتهان للاستدامة في تحديات المستقبل، تقول الآية الكريمة: "لقد خلقنا الإنسان في كبد"، هذه الآية الكريمة تحكي الجدلية الأزلية في التحدي الإنساني. بمعنى ألا نكون سوى عبور لما تم دون خوف الماضي أو نخاف من المستقبل.

تقف المملكة على عتبات مرحلة جديدة في التحديات التنموية. للتعرف على هذه التحديات يجب معرفة ملامح وحدود التحدي. فهناك نمو سكاني وأعداد هائلة تحتاج إلى وظائف مقنعة معنوياً ومادياً، ولعل أحد مظاهرها تلك الآلاف في الجامعات محلياً وخارجياً، وكذلك هناك تحد في مصادر تمويل كل نشاطنا الاقتصادي: فالنفط يواجه تحديات جيولوجية وتقنية واقتصادية وبيئية وحتى سياسية. أحد مظاهر التحدي القادم هو ذلك التشابك والتنافس العالمي، حيث إن الإعلام والتعامل مع التحديات المعلوماتية له دور بارز وهو سيف ذو حدين. فالمعلومات هي إحدى وسائل التواصل والمواصلات إلى عصر جديد لا يمكن للبلاد أن تتقدم دون تسخيرها بفاعلية. ولكنها أداة في يد من يريد أن يرفع من استخدام السياسة والتشويش بفتح معارك أساسية أو جانبية. آخر هذه التحديات هو إعادة صياغة التفكير المجتمعي من استهلاكي إلى إنتاجي من خلال إعادة تأطير التعليم وزيادة المساحات الإبداعية والفكرية. هذه ميادين التحدي القادم، ولكن ما يجمع بين هذه الجهات هو تحدي التنمية الفاعلة: نمو اقتصادي متجانس متكامل. فالنمو الاقتصادي الحقيقي في المملكة على مدى السنوات الماضية لم يرتق للمأمول أو الممكن.

أرغمتنا الظروف الآنية على حالة من الدفاع وهذا ما ذكر ضمنياً في حديث سمو الأمير نايف، ولكن لدينا من المخزون الثقافي والعمق التاريخي والطاقات البشرية والمقومات المادية ما يمكننا من إعادة وتجديد الرسالة الوطنية من خلال الالتفات إلى العملية الاقتصادية. وهذا يحتم علينا إعادة توجيه القرار من سياسة مالية إلى سياسة اقتصادية، الفرق كبير بين الاثنين ولكننا لم نلمس الفرق تنظيمياً أو عملياً.

هذه التحديات المستقبلية تتطلب إعادة نموذج التفكير واستدراك في عملية صنع القرار الاقتصادي. وسبق أن أوضحت ذلك في مقالة سابقة على صفحات هذه الجريدة. التحدي القادم اقتصادي في الجوهر، لن يحير الخصوم إلا النجاح الاقتصادي. النجاح الاقتصادي مهم في طبيعته ولكنه عملياً أعمق من تلك الأهمية المادية للمباشرة. الإدارة الاقتصادية الفاعلة آلية واضحة لإعطاء التعليم والانضباط والدقة ورصد الحركة المالية والعدالة الاجتماعية المبنية على العمل الجاد، والموهبة مقياس واضح شامل يصعب الرهان ضده. بينما التفكير في جزر معزولة حول كل القضايا المهمة يبدد الجهود ويفقد وضوح الرسالة الشاملة. بل إنه يزيد المسافة بين القول والفعل.

كلمات سمو الأمير مؤثرة ولها وقع عميق، ولعلها إعلان عن انتهاء مرحلة وبداية مرحلة أخرى عنوانها النمو الاقتصادي الفعلي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية