الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

منذ الخريف الماضي كانت ألمانيا متهمة من قِـبَل عدد من خبراء الاقتصاد الأنجلو أمريكيين، وأبرزهم بول كروغمان الحائز على جائزة نوبل في عام 2008، بعدم بذل القدر الكافي من الجهد لمكافحة الأزمة الاقتصادية العالمية والانتفاع المجاني ببرامج التحفيز التي تتبناها بلدان أخرى. وأخيرا تساءلت صحيفة "فاينانشيال تايمز" أين خبراء الاقتصاد الألمان الذين يدافعون عن السياسات التي تنتهجها ألمانيا، ويعربون سراً عن اعتراضهم على سياسات حكومتهم، ولكنهم أجبن من أن يصرحوا بذلك علناً، والذين يعملون بهذا وفقاً لطقوس "مجتمع الإجماع" الألمانية. بيد أن هذه المناقشة تشكل من وجهة النظر الألمانية قلباً سخيفاً للحقائق.

لقد نفَّذت ألمانيا برنامجين للتحفيز الاقتصادي تبلغ قيمتهما 80 مليار يورو، أو 3.2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، على أن يتم إنفاق 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009. وقد نتصور للوهلة الأولى أن هذا أقل كثيراً من البرنامج الأمريكي الذي يبلغ في مجموعه 6.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يخصص 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق في عام 2009. ولكن هذا الانطباع مضلل، ذلك أن الدولة الألمانية تسهم بالفعل في تحقيق استقرار الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال المرونة التي يتمتع بها نظام الرعاية الاجتماعية الشامل الذي تتبناه.

والواقع أن ما تتبناه ألمانيا من سياسات تأمين سخية ضد البطالة تكفل للناس القدرة على الحفاظ على مستويات الاستهلاك التي تعودوا عليها حتى ولو خسروا وظائفهم. بل لقد تبنت ألمانيا نظام علاوات قصيرة الأجل من شأنه أن يمكن الشركات من تخفيض ساعات عمل مستخدميها، في حين تغطي الدولة الخسارة في العائدات جزئياً. ودون هذه العلاوات قصيرة الأجل فإن متوسط عدد العاطلين عن العمل في عام 2009 كان ليزيد على العدد الحالي بما لا يقل عن 300 ألف عاطل.

وفي الوقت نفسه فإن أكثر من 40 في المائة من السكان البالغين في ألمانيا (المتقاعدين والمستفيدين من الضمان الاجتماعي، والعاطلين عن العمل، وضحايا الحوادث، والطلاب) يتلقون شكلاً من أشكال الدخل المحول من قِـبَل الدولة، وخاصة المقيمين في شرق ألمانيا، في حين سنجد أن الأعباء الضريبية واشتراكات الضمان الاجتماعي التي يتحملها العاملون مرتفعة. ورغم أن هذا من شأنه أن يؤدي حتماً إلى عرقلة النمو الاقتصادي في الأمد البعيد وإيجاد مشكلات هيكلية عظيمة، إلا أنه يعني أيضاً أن الدولة تتبنى ردة فعل مضادة تماماً للتقلبات الدورية وتعمل على تثبيت الاقتصاد إلى حد كبير، وهو ما يعود بالفائدة على العالم بأسره.

لم يتجاوز عجز الموازنة الذي سجلته الدولة الألمانية 0.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، وهو ما قد يسجل ارتفاعاً قياسياً في عام 2009 ليصل إلى 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك طبقاً للتوقعات التي أعلنتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أخيرا. وعلى هذا فإن الحوافز الاقتصادية التي تعتزم الدولة الألمانية تقديمها ستصل إلى 4.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009. أما في الولايات المتحدة فقد بلغ عجز الموازنة 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وطبقاً لتوقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نفسها فسوف يصل العجز إلى 10.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009، وهو ما يترجم إلى حجم الحوافز الاقتصادية نفسها في ألمانيا، أي 4.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

فضلاً عن ذلك فإن ألمانيا تتمتع بقدر أعظم من الاستقرار الداخلي مقارنة بالولايات المتحدة، وذلك لأنها لا تعاني مشكلة الأسر التي تحملت ديوناً ثقيلة التي أصبحت الآن مقيدة أو غير قادرة على الاقتراض. إن البنوك الألمانية تمنح قروض الرهن العقاري بحدٍ أقصى 60 في المائة من قيمة المسكن، بدلاً من قروض الرهن العقاري التي تعادل 100 في المائة من قيمة المسكن، والتي كانت تشكل ممارسة معتادة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وعلى نحو مماثل، فإن ألمانيا تكاد تكون خالية من ديون بطاقات الائتمان، أو غير ذلك من أسباب الديون الناجمة عن الأساليب المعيشية التي تتبناها الأسر الأمريكية. فالأسرة الألمانية العادية لا تهدر كل مواردها المالية، وهذا من شأنه أن يسمح لها بالتعويض عن الخسائر في الدخل من خلال تعديل مدخراتها. وهذا من الأسباب الإضافية التي تفسر زيادة مستويات الاستهلاك الشخصي في ألمانيا بنسبة 0.3 في المائة في عام 2009، في خضم أسوأ أزمة اقتصادية يشهدها العالم في مرحلة ما بعد الحرب ـ وذلك طبقاً للتوقعات المشتركة التي أعلنتها معاهد الدراسات الاقتصادية الرائدة في ألمانيا في الأسبوع الماضي ـ في حين تسجل مستويات الاستهلاك الشخصي هبوطاً حاداً في كل مكان آخر من العالم تقريباً.

إن ألمانيا هي ثاني أكبر مستورد على مستوى العالم، وتأتي قريبة للغاية من الولايات المتحدة التي تحتل المركز الأول. وهذا يعني أن استقرار الاستهلاك الألماني يشكل حالياً أقوى دعامة للاقتصاد العالمي. وفي حين تنحدر معدلات التصدير الألمانية بنسبة سنوية تبلغ 20 في المائة، فإن القسم من الواردات التي لا تتألف من منتجات وسيطة لسلع التصدير سيظل مستقراً، الأمر الذي لا بد أن يساعد العالم ككل.

إن البيانات تدعم هذا الافتراض بوضوح. فطبقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، انحدر التدفق السنوي من صادرات السلع الألمانية من كانون الثاني (يناير) 2008 إلى كانون الثاني (يناير) 2009 بما يزيد على 173 مليار دولار عن الانخفاض الذي سجله التدفق الموازي للواردات. وهذا يعني أن الفائض التجاري الألماني السنوي هبط بالمقدار نفسه. وهذا يُـعَد أقوى انحدار لصافي الطلب الأجنبي الذي تسجله دولة واحدة، أو أضخم زيادة في صافي الطلب على السلع الأجنبية لدولة واحدة. ولقد واجهت اليابان على سبيل المثال انحداراً بلغ 157 مليار دولار فقط في ميزانها التجاري السنوي.

وأثناء الفترة نفسها سجلت واردات الولايات المتحدة السنوية انخفاضاً يزيد 284 مليار دولار على انحدار صادراتها، كما زادت الفوائض التجارية السنوية لدى الصين بما يعادل 249 مليار دولار. أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الولايات المتحدة سحبت من الاقتصاد العالمي 284 مليار دولار، وسحبت الصين 249 مليار دولار، أثناء الفترة من كانون الثاني (يناير) 2008 إلى كانون الثاني (يناير) 2009 من الطلب السنوي العالمي، بينما قدمت ألمانيا للاقتصاد العالمي 173 مليار دولار، واليابان 157 مليار دولار، في هيئة تحفيز للطلب السنوي.

أما بالنسبة لأكبر بلدان أوروبا فإن صورة الطلب السنوي عن الفترة نفسها مختلطة إلى حد كبير. فبينما أضافت إيطاليا إلى الطلب العالمي ـ مثلها في ذلك كمثل ألمانيا واليابان ـ ما يبلغ مجموعه ستة مليارات دولار، فقد سحبت إسبانيا 101 مليار دولار، وسحبت المملكة المتحدة 50 مليار دولار، وسحبت فرنسا 19 مليار دولار. كان الانحدار الذي سجلته أسعار المساكن في الولايات المتحدة، الذي بلغ سبعة تريليونات دولار على مدى العامين الماضيين، بمثابة تفجير لقنبلة ذرية. ولقد نجحت ألمانيا واليابان وبلدان أخرى غيرهما في امتصاص وتخفيف موجات الصدمة الناجمة عن ذلك الانفجار. لذا، فبدلاً من التهوين من شأن الجهود التي بذلتها ألمانيا، يتعين على العالم أن يظهر لها بعض العرفان بالجميل.

خاص بـ "الاقتصادية"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية