الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الطب الشعبي بين التقنين والاتجار!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 5 يونيو 2009 2:18

التوجه الجديد لوزارة الصحة الذي كشف عنه مدير عام الشؤون الصحية في جدة حول عزم الوزارة إغلاق العيادات الشعبية غير المرخصة، والتي تعمل في بعض الأحياء بعيدا عن أعين الرقيب، بعدما ثبت لدى الوزارة أنها تسببت في انتشار بعض الأمراض نتيجة افتقارها إلى أبسط قواعد النظافة.. هو توجه محمود كان من الواجب أن يتم قبل هذا التوقيت وبأكثر الآليات فاعلية بعدما أصبحت هذه العيادات ميدانا واسعا للاسترزاق باسم الطب، واستغلال بعض المرضى من بسطاء الناس للتكسب من وراء أمراضهم بتسويق الوهم عبر الدعاية غير المسؤولة التي تمنيهم بالشفاء بما يُشبه اللمسة السحرية.

غير أن الخبر الذي تناول هذا التوجه لوزارة الصحة على لسان الدكتور سامي باداود، ونشرته "الاقتصادية" في حينه, يقتصر ـ كما يبدو ـ على العيادات الشعبية التي تضع عناوينها في متناول زبائنها، أي العيادات التي تمارس عملها في العلن وأمام الجميع دون الإشارة إلى أولئك الذين يمارسون المهنة نفسها في منازلهم، أو من خلال بعض محال العطارة، ومنهم من لا يحمل ترخيصا لممارسة الطب الشعبي من أي جهة، بل قد يكون من بينهم من ليس له أيّ علاقة بهذه المهنة اللهم إلا كمهنة تجارية وحسب.

ولأن هذه القضية قد تمّ تداولها وطرحها للنقاش منذ وقت مبكر، وأشبعت قراءة عندما كان الدكتور غازي القصيبي وزيرا للصحة، لكن دون أن يصدر لها أي تنظيم دقيق يُعالج تفاصيلها وموقف الجهات الطبية منها، لذلك فإننا نعتقد أنه من الصعب جدا شطب ثقافة الطب الشعبي بجرّة قلم في مجتمع كمجتمعنا كان طوال تاريخه الماضي يعتمد على هذا النوع من الطب خاصة ما يُعرف بطب الأعشاب، وليس في هذا ما يعيب، فالصينيون الذين تُسجل مصحاتهم الطبية تقدما كبيرا على المستوى الدولي لا يزال طب الأعشاب يأخذ موقعه المميز في قاموس الطب البديل، ويثبت في أحيان كثيرة تفوقه ونجاعته، لكنهم (أي الصينيين) استطاعوا أن يُخضعوا هذا الطب لمعايير علمية تبنتها بعض الجامعات ومراكز البحوث هناك، بما يقطع الطريق على تجار المهن الطبية والمتاجرين بأمراض الناس وعللهم.

في حين أن الأمر لا يزال عائما بالنسبة لنا، مما جعل سوق الطب الشعبي أشبه ما يكون بمستودع الخردوات تختلط فيه عيادات طب الأعشاب بمحترفي النفث، والرقاة بالمتاجرين بالزيوت والمياه وما إلى ذلك، إلى درجة لم يعد فيها أي مجال للفرز ما بين الخبير والمدّعي، وهذا ما أتاح الفرصة إلى تنامي هذه العيادات كالفطر, خاصة في الأوساط الشعبية التي لم تستطع أن تجد ضالتها في المستشفيات الحكومية العامة بحكم ضخامة أعداد المراجعين، وتدني وقت الفحص والإمكانات الطبية فيها، وفي المقابل الارتفاع الفاحش لأسعار الكشف في المستوصفات الأهلية، لذلك ستبقى هذه الخطوة منقوصة، لأنها لن تعالج المشكلة من جذورها، ثم لأن معايير منح التراخيص لا تزال ضبابية.

وكل ما نخشاه أن تتجه خطوة الوزارة في هذا الإطار إلى اختبار معدلات النظافة وتعقيم الأدوات في هذه العيادات (ومن بينها من يمتهن الحجامة) دون التوغل في إمكانات الممارسين ومهاراتهم العلمية، مما يعني بقاء الحال على ما هو عليه، لأن قضية النظافة والتعقيم ما هي إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، خاصة أن من بين أولئك المتطببين من يسحق بعض مسكنات الروماتيزم ويخلطها مع بعض الأعشاب, كما تقول بعض الروايات, إمعانا في الإيهام بفاعلية أدويتهم .

من هنا ننتهي لنؤكد أن الأمر يحتاج إلى دراسة مستفيضة لهذا الواقع من قبل كل جهات الاختصاص والخبراء للوصول إلى صيغة تنظيمية تنأى بالمجتمع عمّا ينجم من وراء عيادات تسويق الوهم من المآسي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية