الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

إن "المسيرة الطويلة" التي ضمت تحالفاً من المحامين، ومنظمات المجتمع المدني، والنشطاء السياسيين من مختلف الأحزاب، ونزلت إلى الشوارع ضد الرئيس الباكستاني، عاصف علي زرداري، في محاولة لتأسيس استقلال القضاء، نجحت في إجبار الحكومة على إعادة القضاة الذين طردهم الرئيس الباكستاني العسكري السابق، برويز مشرف، بمن فيهم رئيس المحكمة العليا، افتخار محمد شودري. وسبق لزعيم المعارضة، والخصم السياسي الشديد للرئيس الباكستاني، نواز شريف، أن أعلن في بداية المسيرة أنها ستغير تاريخ باكستان.

وعلى الرغم من أن المسيرة لم تؤد إلى سقوط زرداري، كما كان يأمل شريف، فإنها تفتح فصلاً جديداً في صراع باكستان مع الديمقراطية. وعلى الرغم من المخاوف المنتشرة على نطاق واسع بخصوص الديمقراطية في باكستان، فإن سيناريو ما بعد المسيرة يطرح فرصة لدعم الهياكل الديمقراطية في البلاد. غير أن ذلك يعتمد على كيفية تحرك المشاركين الرئيسيين في ذلك، وهم زرداري، وشريف، والجيش، والمجتمع الدولي.

إن هذه المسيرة الطويلة، على عكس ما جاء في معظم وسائل الإعلام، لم يقدها نواز شريف، بل إنها كانت حركة اجتماعية مدنية حركها المحامون والنشطاء الداعون إلى حرية القضاء، حيث حصلوا على دعم جماهيري كبير من الأفراد، والجماعات. وإدراكاً من شريف لعدم ارتياح عودة القضاة الذين يمكن أن يحركوا تهم الفساد الخاصة بالرئيس، فإن شريف الذي احترم العدالة أيام حكمه، وربط مستقبله السياسي بذلك المطلب، ودعم ما كان في الأساس حركة مجتمع مدني. وأثبت هذا التحرك الواسع شعبياً مدى تقدم حراك المجتمع المدني وفعاليته في باكستان.

تحرك هذا المجتمع المدني ذاته الذي حرك بادرة الإطاحة بمشرف، ضد الحكومة في الوقت الراهن لضمان حرية العدالة. والحقيقة هي أن هذه المسيرة لم تكن فقط من أجل عودة القضاة، ولكنها كانت تتعلق بإلزام الحكومة بالوفاء بوعودها، وضمان عدم المساس بالمؤسسات الديمقراطية. وهكذا أظهر المجتمع المدني مرة ثانية أنه على الرغم من تحكم الأشخاص في السياسات الباكستانية، سواء كان مشرف أم زرداري، فإنه ما زال بالإمكان مساءلتهم من قِبل أبناء الشعب، وبالتالي فإن مجتمعاً مدنياً نشطاً، إضافة إلى قضاء مستقل، يمكن أن يحملا آمال تحقيق ديمقراطية أعظم في البلاد.

استطاع هذا التحرك من خلال إجبار زرداري على التراجع وإضعافه شعبياً، كما أنه حرك التساؤلات حول الصلاحيات الكثيرة التي يتمتع بها الرئيس، إذ إن كثيرا من السلطات تم انتزاعها من البرلمان لصالح الرئيس مشرف خلال فترة حكمه. وحين فاز حزب زرداري بالانتخابات، فإنه وعد بتعديل المواد الدستورية التي منحت سلطات واسعة للغاية للرئيس. غير أن زرداري لم يحاول معالجة مسألة الفصل بين السلطات، واستمر في التمتع بالسلطات التي كان يتمتع بها مشرف.

وإذا كانت هذه المسيرة قد استطاعت إضعاف موقفه الشعبي، فإنها يمكن أن تكون نذيراً بالتوصل إلى حل مشكلة الفصل بين السلطات بين الرئيس والبرلمان. وجدير بالذكر أن إعلان عودة القضاة جاء على لسان رئيس الوزراء، يوسف رضا جيلاني، الذي قال إنه نصح الرئيس بإعادة القضاة. ويمكن تفسير هذا الموقف من جانبه، مع أنه مؤيد معروف للرئيس، بأنه محاولة لتأكيد سلطته، وسلطة منصبه كذلك. وإن الجانب الدستوري لفصل السلطات وإعادة توزيعها يعد تطوراً سياسياً بالغ الأهمية في التطورات السياسية في البلاد. غير أن هذا الأمر ما زال مهملاً على نطاق واسع من جانب كل من المعارضة والحكومة. وقد تكون فترة ما بعد المسيرة في باكستان فرصة لحل هذه المشكلة، بينما يتم الضغط على الرئيس ليتحرك بهذا الاتجاه في الوقت الذي تبدي فيه الجهات السياسية الأخرى توجهات متزايدة للتعاون.

إن هنالك علامة مشجعة أخرى في هذا الاتجاه تتمثل في "الدور الإيجابي" حسب التعبير الذي أورده أنصار الرئيس، في وصفهم لموقف الجيش. وعلى الرغم من سرية المعلومات حول دور الجيش في إنهاء الأزمة، إلا أن الجيش أوضح للرئيس أنه لا يريد صراعاً بين السلطتين القضائية، والتنفيذية، بينما يمكن أن يقلق المرء إزاء التأثير الذي يمارسه الجيش على الحكومة، في ظل الدور التاريخي للجيش الباكستاني في الحياة السياسية للبلاد. وهنالك شعاع من الأمل الإيجابي بأن الجيش ساعد على عودة القضاة، ودعم بذلك موقف رئيس المحكمة العليا، على الرغم من أن القضاة يمكن أن يسعوا إلى التحقيق مع مشرف.

سيتم تحديد الشكل السياسي لباكستان في المستقبل القريب بالصدام السياسي بين زرداري، ونواز شريف. وبينما ضعف موقف الرئيس من خلال المسيرة الطويلة، والأنباء الصحفية التي غطت الإجراءات القاسية من جانب الحكومة للتصدي للمتظاهرين، فإنه لم يصبح بعد قوة مستنفذة. وبالإضافة إلى الدعم الذي يلقاه في مناطقه الانتخابية، فإنه يتمتع بتأييد أمريكي. وبينما لم يبد الغرب ارتياحاً إزاء قرب شريف من التيارات الدينية، فإنه كان يرى في بيناظير بوتو حليفاً، وأصبح الآن يرى ذلك الحليف في الرئيس الباكستاني الحالي في الحرب على الإرهاب في مرحلة ما بعد مشرف. ويظهر دعم أمريكا للرئيس في التهنئة التي رفعتها إليه السفارة الأمريكية في إسلام أباد" لقراره الذي يتصف بصفات رجال الدولة" في إنهاء الأزمة القضائية في البلاد.

إن منبع الاهتمام الأمريكي باستقرار باكستان من جانب أمريكا هو قدرتها على خوض الحرب ضد الإرهاب، وبالتالي فإنها تركز على دور باكستان في ذلك، وتهتم بها بدوافع تتعدى الحرص على الديمقراطية. وحكم هذا الأمر علاقاتها مع مشرف، وكذلك علاقاتها الحالية مع زرداري. وعلى الرغم من أن إدارة أوباما أعلنت أنها تدعم الديمقراطية في باكستان، فإنها ألمحت للرئيس بأن لديها مخاوف من بعض إجراءاته، كما أنها أبدت رغبة في التحدث مع نواز شريف، وذلك في تحرك لإثبات أن مصالحها تتعدى مجرد التعامل مع رجل قوي في الحكم. ومن الجدير كذلك بالملاحظة أن القاضي شودري دفع باتجاه فتح التحقيق في اختفاء مئات الأشخاص الذين اعتقلتهم قوات الأمن في إطار محاربة الإرهاب. أما مدى جدية الجيش الباكستاني، والولايات المتحدة، إزاء إعادة فتح هذه القضايا، فهو أمر ما زلنا ننتظر معرفته.

أما من جانب شريف، فقد استغل بذكاء موضوع القضاء لدفع نفسه إلى مقدمة المشهد السياسي، وطرح شخصه كمرشح ديمقراطي على الغرب التعامل معه. وسننتظر لنرى كيف يمكنه موازنة قربه من الدوائر الدينية، وعلاقاته مع الغرب. والجدير بالملاحظة هو أنه لم يبدأ المشاركة في المسيرة من دائرته الانتخابية، وإنما من إقليم الحدود الشمالي الغربي، وهو الإقليم الذي يعارض بشدة سياسات الرئيس المؤيدة للغرب.

غير أن شريف حرص ألا ينتقد بنفسه سياسات الرئيس المؤيدة للغرب. وقد منحته المسيرة الطويلة بنجاحها الكبير ميزة سياسية واضحة، حيث زادت شعبيته محلياً، إذ أظهرته بطلاً ديمقراطياً، بدلاً من مجرد رئيس سابق كان يواجه تهماً بالفساد.

غير أن عليه وهو يتمتع بصورة بطل الديمقراطية أن يظهر التزامه بالمبادئ الديمقراطية، وانتظار الانتخابات المقبلة للتوجه نحو استلام السلطة. ويمكن أن يمنح ذلك ما يكفي من الوقت للرئيس لإصلاح صورته المتضررة. وقد تتحدد خطوة شريف المقبلة بما يحدث داخل إقليم البنجاب المؤيد له الذي يعد أثرى وأكثر الأقاليم الباكستانية تأثيراً. وسبق للمحكمة العليا أن حظرت على شريف في شهر شباط (فبراير) الماضي تنظيم استفتاءات رأي، وحكمت بحرمان أخيه شهباز من الترشح للانتخابات. وأدى كل ذلك إلى لجوء نواز شريف إلى دبلوماسية الشارع. وبينما قررت حكومة باكستان أن الوضع في البنجاب ستقرره المحاكم هناك، فإن زرداري كان يسارع خطاه من أجل تشكيل حكومة ائتلاف في البنجاب، بما يبقي شريف خارج السلطة في إقليمه الخاص به. ومن شأن ذلك أن يعجل في تحرك شريف للوصول إلى السلطة هناك.

ستكون الأشهر المقبلة حيوية في مستقبل باكستان السياسي. فبعد المسيرة الطويلة، يبدو أنه لا مناص من التعاون والتوافق السياسي بين الأطراف المتعددة. وبينما تشتد الضغوط على الرئيس لتقديم تنازلات، فإن شريف يدرك أن مستقبله السياسي يكمن في طرح نفسه كبطل للعملية الديمقراطية. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات التي تؤيد الديمقراطية، وتدعم وجودها في باكستان. وهناك إشارات إلى أن المجتمع الدولي سيدفع جميع الأطراف الداخلية باتجاه الحلول الديمقراطية. وأما الجيش، فقد أبدى بالفعل رغبته في المشاركة في الأمور السياسية.ويجيء الدور الآن على السياسيين لكي يقوموا بدورهم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية