الكسب و"خلق الأفعال" عند الأشاعرة

|
كان أبو الحسن الأشعري (260-324 هـ)، المنظر الأول لمواقف أهل السنة ومؤسس المذهب المعروف باسمه، بعد أن انشق عن المعتزلة إثر خلاف بينه وبين شيخه.. كان يريد أن يقيم مذهبا وسطا يجمع بين منهج المعتزلة العقلاني والفكر السني المعتمد على الرواية والحديث كما انتهى إلى الإمام ابن حنبل. وهكذا فمن جهة تبنى الأشعري نظرية الجوهر الفرد كما وضعها المعتزلة ليقيموا بواسطتها براهينهم العقلية على المسائل الدينية التي سبق ذكرها في المقالات السابقة، وعلى رأسها القول إن الإنسان هو "خالق أفعاله" بقدرة يحدثها الله فيه عندما يختار هذا الفعل أو ذلك، وبالتالي فالإنسان عندهم حر مختار في أن يفعل أو لا يفعل، وبالتالي يتحمل مسؤولية أفعاله: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (الزلزلة 7، 8)، وأيضا : "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (أي ما تقدر عليه) : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" (البقرة 286: لها ما "كسبت" لنفسها ولغيرها، و"اكتسبت" لنفسها فقط). ومن جهة أخرى، حاول الأشعري أن يوفق بين هذا الموقف وموقف من يرفضون من أهل السنة نسبة "الخلق"، خلق الأفعال، إلى الإنسان، تمسكا حرفيا منهم بمبدأ "لا خالق ولا فاعل إلا الله". وقد اتخذ الأشعري من مفهوم "الكسب" أساسا لهذا التوفيق، فقال إن الإنسان لا يخلق أفعاله وإنما هي من الله، ولكنه "يكسب" نتائجها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، بمعنى أنه مسؤول عما يفعل. ومن هنا طرح معنى "الكسب"؟ كيف يكسب الإنسان نتائج أفعاله وفي الوقت نفسه يعتبر مسؤولا عنها وهو لم يفعلها لأنه "لا فاعل إلا الله؟ وفي هذا تناقض بين! ومن هنا قيل في الأمور التي يجمع قائلها بين النقيضين: "أخفى من كسب الأشعرية". اضطرب الأشعرية في الأمر، فلم يستطيعوا أن يعطوا لـ "الكسب" معنى واضحا محددا يجعل منه ما يبرر عقليا تحمل الإنسان مسؤولية أفعاله تلك، فاضطروا إلى "التنازل" شيئا فشيئا حتى تبنوا موقف المعتزلة بل تجاوزوه إلى قول الفلاسفة. ويمكن أن نسجل ثلاث مراحل في تطور وجهة نظرهم في هذه المسألة: 1 - أما أبو الحسن الأشعري، مؤسس المذهب، فهو يرى "أن الله تعالى أجرى سنته أن يخلق عُقيب القدرة الحادثة، (أي التي يحدثها في الإنسان) أو تحتها أو معها، الفعلَ الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، وسمَى هذا كسبا، فيكون خلقا من الله تعالى إبداعا وإحداثا، وكسبا من العبد حصولا تحت قدرته". وقد استند أبو الحسن الأشعري في ذلك إلى "أصل له مؤداه: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض. فلو أثرت في قضية الحدوث لأثرت في حدوث كل محدَث حتى تصلح لإحداث الألوان والطعوم والروائح وتصلح لإحداث الجواهر والأجسام، فيؤدي إلى تجويز وقوع السماء على الأرض بالقدرة الحادثة". ومعنى ذلك أن القدرة التي يخلقها الله في الإنسان، عندما يقصد هذا الأخير فعل شيء، ليست مؤثرة تأثير العلة في المعلول، لأنها لو أثرت في الأفعال وكانت علة لها، والأفعال أعراض، لأثرت كذلك في الأعراض الأخرى فخلقت الروائح والطعوم... إلخ، بل ولَتَعدى تأثيرُها إلى الجواهر والأجسام كذلك، لأن قضية الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض، وذلك بناء على ما شرحناه قبل من تلازم الجواهر والأعراض، إذ الجواهر لا تنفك عن الأعراض، فدونها تزول وتفنى كما رأينا. 2 - أما منظر المذهب القاضي الباقلاني فقد حاول إدخال بعض المرونة على موقف الأشعري وإعطاء معنى أوضح قليلا لمفهوم "الكسب"، فقال: إن القدرة التي يحدثها الله في الإنسان لا تؤثر في إيجاد الجواهر والطعوم والروائح... إلخ، ولكن لها مع ذلك تأثير في جهة من جهات الفعل هي المتعينة لأن تكون قابلة للثواب والعقاب. وبهذا تكون مؤثرة في حالة وغير مؤثرة في حالة أخرى، وهذا غير بَيٍّن بنفسه! 3 - ذلك ما لم يستسغه الجويني (إمام الحرمين، شيخ الأشعرية في وقته)، فهو يرى أن إثبات قدرة (للإنسان) لا أثر لها بوجه، كما يقول الأشعري، هو كنفي القدرة أصلا؛ وأما إثبات التأثير لهذه القدرة في حالة دون أخرى كما يقول الباقلاني، فشيء لا يعقل، لأن القول بهذا كالقول بنفي التأثير. من أجل هذا –يقول الجويني: "لا بد من نسبة التأثير إلى فعل العبد وقدرته حقيقة" ولكن "لا على وجه الإحداث والخلق"، لأن الذي يخلق يشعر باستقلاله، كما أن الخلق يعني الإيجاد من العدم. والحال أن الإنسان، كما يشعر بقدرته على الفعل يشعر أيضا بعدم استقلاله في فعله: "فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة العقل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب، فهو الخالق للأسباب ومسبباتها". ثم يضيف الشهرستاني الذي أورد ما ذكرنا قائلا : "وهذا الرأي أخذه (الجويني) من الحكماء الإلهيين وأبرزه في معرض (علم) الكلام" (الملل والنحل ج3 ص97). هل يعني هذا أن الأشاعرة تجاوزا المعتزلة وتبنوا موقف الفلاسفة وقالوا بالسببية، أعني بتسلسل الأسباب، إلى السبب الأول، بوصفها "أسبابا ثانوية" ولكن مؤثرة تأثير العلة في المعلول؟ الواقع أن فكرة "السبب" عند الجويني مرتبطة بالإطار المرجعي البياني وليس بالإطار المرجعي البرهاني، وبالتالي، فإذا كان الجويني قد أخذ عن الفلاسفة فكرة تسلسل الأسباب إلى السبب الأول فهو إنما أخذ الشكل دون المضمون. ذلك أن نظرية الجوهر الفرد التي كان الجويني وغيره من الأشاعرة يفكرون داخلها، مثلهم في ذلك مثل المعتزلة، لا تسمح قط بالقول بالسببية بالمعنى الفلسفي، القائم على الاتصال والتأثير. أما القول بأن من النظريات العلمية الحديثة نظرية "الكم" (الكوانتوم) مبنية على القول بـ "الانفصال" فهذا خلط بين الأمور، إذ لا علاقة بين ما نحن بصدده هنا وبين تفسير حركة "الفوتون" (جزيء الإشعاع الضوئي) هل هي على شكل موجات أو على شكل جزيئات منفصلة، أو على صورة تجمع بين الإثنين في نوع من "الكاملية" (انظر كتابنا المدخل إلى فلسفة العلوم ج2). إن نظرية الجوهر الفرد كما صاغها المتكلمون، معتزلة وأشعرية، تقتضي مثلا: "أن عند تحريكك هذا القلم خلق الله أربعة أعراض ليس منها عرض سببا للآخر، بل هي متقارنة الوجود لا غير. العرض الأول إرادتي أن أحرك القلم، والعرض الثاني قدرتي على تحريكه. والعرض الثالث الحركة الإنسانية نفسها، أعني حركة اليد. والعرض الرابع تحرك القلم. لأنهم زعموا أن الإنسان إذا أراد شيئا ففعله، بزعمه، فقد خلقت له الإرادة وخلقت له القدرة على ما أراد وخلق له الفعل، لأنه لا يفعل بالقدرة المخلوقة فيه ولا أثر لها في الفعل... وهذه الإرادة المخلوقة على زعم كلهم والقدرة المخلوقة، وكذلك الفعل المخلوق عند بعضهم، كل ذلك أعراض لا بقاء لها، وإنما الله يخلق في هذا القلم تحركا بعد تحرك، هكذا دائما طالما القلم متحرك. فإذا سكن فلم يسكن حتى خلق الله فيه أيضا سكونا، ولا يبرح يخلق فيه سكونا بعد سكون طالما القلم ساكن". ذلك هو رأيهم في الأفعال التي تنسب للإنسان، كتحريك القلم! أما رأيهم في حوادث الطبيعة التي لا يعقل أن يستعمل فيها لفظ "الكسب" فقد استعملوا فيها لفظ "العادة"، وهو مفهوم يسلخه بعض معاصرينا عن سياقه النظري والتاريخي ليقارنه بمفهوم "العادة" عند الفيلسوف الإنجليزي التجريبي ديفد هيوم! وشتان ما بين الإثنين، كما سنرى.
إنشرها