الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

اختار قادة دول مجلس التعاون الخليجي يوم أول أمس العاصمة السعودية الرياض مقراً للبنك المركزي الخليجي لاعتبارين أساسين .. أولاً كون السعودية الشقيقة الكبرى اقتصادياً، سكانياً، وجغرافياً ولكونها كذلك دولة المقر لمجلس التعاون الخليجي نفسه وأمانته.

تأتي هذه المبادرة بإنشاء البنك المركزي الخليجي لتشكل خطوة جريئة جسورة إيجابية في عالم يزداد تكتلاً وتندمج فيه الشركات العملاقة، عالم الوحدات الاقتصادية الكبرى، وليمثل في الوقت ذاته علامة مميزة جداً كونه ثاني أكبر وحده نقدية في العالم بعد البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت.

ومع أن محددات كثيرة ستبرز لاحقاً بشأن الأدوار الحيوية والمنافع الجمة التي سيعكسها إنشاء هذا البنك المركزي الخليجي، إلا أن ثمة عناصر يمكن التأكد من أنها ستكون مباشرة، الفاعلية والتأثير في النطاق المصرفي على مستوى عموم دول المجلس منها: أنه سيكون الجهة الوحيدة المخولة لإصدار الوحدة النقدية الخليجية (العملة) وبالتالي التحكم في كمية النقود المصدرة، بمعنى إدارة السيولة وحجم العرض النقدي في السوق، وكذلك إدارة سعر الصرف للوحدة النقدية الخليجية مقابل العملات الأجنبية الكبرى الأخرى. كما أنه سيكون معنياً بالضرورة بتحديد سعر الفائدة على الودائع وعلى السندات والأوراق المالية والتجارية وكل أشكال الإقراض والاقتراض، وبالاجمال فالبنك المركزي الذي سيخضع لتوجيهات المجلس النقدي المكون من عضويات دول المجلس الست ستكون له سلطة التوجيه والمراقبة والإشراف على بنوك دول المجلس لضمان سريان سياسات نقدية موحدة.

في ضوء هكذا أدوار للبنك المركزي الخليجي سيمثل هذا الصرح النقدي الكبير إضافة نوعية حيوية على طريق تعزيز التكامل الاقتصادي بل الوحدة الاقتصادية بين دول الخليج العربية، لأنه سيعمل من ناحية على تسهيل التجارة والمعاملات بين الدول المجلس وتوحيد نمط الأسعار، بمعنى تهيئة مناخ عملي إيجابي في سبيل الوحدة الاقتصادية الخليجية الشاملة، أي أن وجود البنك المركزي سيكون أداة فعالة جداً في الإدارة الاقتصادية من أجل تدفق السلع والأموال في نطاق دول المجلس كما أنه من ناحية أخرى سيعزز موقف هذه الدول في تعاملاتها مع الدوائر الإقليمية والعالمية وبالتالي تزداد فرص اقتصادات الحجم الكبير سواء في رخص التكلفة أو زيادة الإنتاج خليجياً أو في التفاوض للحصول على امتيازات اقتصادية مع الدول الإقليمية والعالمية عبر اتفاقيات تظلها وحدة هذا البنك وبالتالي يسهم هذا البنك (عبر توحيده للعملة وسعر الفائدة والتحكم في حجم السيولة والانضباط في إطار منظومة واحدة من القوانين والتشريعات) في توجيه الموارد المالية والاقتصادية الخليجية توجيهاً حكيماً على مستوى دول المجلس ككل بحيث تكون قوة اقتصادية فيما بينها من خلال كفاءة استخدام هذه الموارد بما يمكنها من أخذ امتيازات أكبر لأنها كدول متكاملة أو كوحدة اقتصادية ستكون قادرة على تقديم عروض أكثر إغراء من حيث الحجم والنوعية، فضلاً عن أن الضمان بالنسبة للدول الأخرى في هذه الحالة سيكون أكبر بحكم أن التعامل سيتم مع وحدة اقتصادية كبرى تملك اعتباراتها الراسخة سياسيا كما هو اقتصادياً وليس مع كيانات تتفاوت اعتباراتها.

ليس في هذا المنحى من القول إسراف بالحلم أو الأمنيات، ذلك أن إنشاء البنك المركزي الخليجي جاء على أرضية ثرية من الإنجاز الإنساني والمادي، فهناك خطوات عديدة أنجزت في التشريع وفي الهياكل المؤسسية وفي الاتفاقيات كالاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة،ما يعني أن الحديث في اتجاه الوحدة الاقتصادية الخليجية عبر تحول البنك المركزي الخليجي إلى حقيقة، حديث يصب في مصلحة هذا الحلم وهذه الأمنيات نظراً لأن ما يحدث ويحدث يقدم براهين فعلية عملية وليس أقوالاً معلقة في الهواء ..

لذا يحق لنا كخليجيين أن نفخر بهذا الإنجاز لما يمثله من نقلة اقتصادية كبرى تضع بلدانه في سباق مع الزمن لترسيخ وجودها كتكتل دولي مؤثر مهم في صناعة التقدم الاقتصادي واستقرار العالم.. كما يحق للعاصمة السعودية الرياض أن تفتخر بثقة شقيقاتها من عواصم دول المجلس بأن تكون الحاضنة الرؤوم لهذا الصرح العملاق، مثلما حضنت منذ ربع قرن وبمسؤولية ومحبة مقر أمانة مجلس التعاون الخليجي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية