يمر مجتمعنا السعودي بمرحلة تغير اجتماعي لم تبدأ منذ سنوات بل منذ عقود، ولكن كان تغيرا مرحليا يراعي الاحتياجات المجتمعية الجوهرية ويتساوق مع المعطيات الحديثة في رؤية تتمثل أيديولوجية المجتمع، ولهذا أجد أنه حقق نجاحات مهمة نجد نتائجها في نماذج من يحتلون الآن المواقع الإدارية والتنظيمية في مختلف القطاعات، ومنذ سنوات وبعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001م والتدخل القسري في منظومة المجتمع من خلال ما يطلق عليها اتفاقيات حقوق الإنسان واتفاقيات حقوق الأطفال, وسيئة الذكر اتفاقية السيداو، التي لا أعرف لماذا لا نقرأ لجميع علمائنا، توضيحا لما فيها من مخالفات شرعية تدمر الأسرة المسلمة والطفولة إن لم نمنعها. أصبحت نتائج هذا التغير سريعة وغير منتظمة وبعضها يتناقض والمنظومة التشريعية والثقافية للمجتمع، ما أدى إلى نوع من المشكلات والظواهر التي أصبحت تؤرق المصلحين والمربية وأولياء الأمور الواعين الذين يعرفون مسؤوليتهم التربوية ولا يتخلون عن واجباتهم الدينية والإصلاحية للأبناء. قد يرى البعض أن هذه الظواهر نتيجة للتحضر وانتقال المجتمع من مرحلة إلى مرحلة أخرى، والانفتاح الإعلامي والقنوات التي تسقط سمومها الفكرية والسلوكية في نماذج سيئة تحمل البريق للبعض، فيعتقد أنها للمصلحة وللإصلاح وما يقال إنه (التنوير)!! مصطلحات غربية نشأت في بيئة كنسية لها تاريخها ولها أجندتها الخاصة بها، التي لا يمكن أن تؤتي ثمارها في بيئة تختلف عنها, فالثقافات المعنوية والإيديولوجيات ليست هي الثقافات المادية واستخداماتها التي لا تؤثر في الفكر وفي السلوك بشكل كبير، لأنها تحمل بصماتها معها وتبحث عن تربتها وتموت في حالة استنباتها في تربة لا تحمل مكوناتها، إن لم تتسبب في تسميم الأفكار وظهور الانحرافات السلوكية التي بدأت تسجل ارتفاعات في نسبها المئوية في مجتمعنا.
ففي كل يوم نقرأ عن انتهاكات أخلاقية وحالات اغتصاب وابتزاز للنساء في مواقع العمل، الذي يصر البعض على أن يكون مختلطا تحت مسميات عدة، ولا تكون هناك خيارات أخرى سواه عند بعض من يبحثن عن الوظائف!!
في كل يوم نقرأ عن عقوق الأبناء للآباء والأمهات بل ضربهم وأحيانا قتلهم!!
في كل يوم نقرأ عن عصابات لصناعة الخمور وترويج المخدرات وتجارة (سيديهات الأفلام الجنسية)، بل أصبحت أخبار شبه يومية عن انتهاكات الطفولة والاعتداء الجنسي عليهم وتصويرهم وبثها في رسائل أجهزة الجوّال إمعانا في الإذلال أو الابتزاز لهذه الطفولة وتدمير كياناتها البريئة.
في كل يوم نجد أن مجتمعنا وحياتنا موضوع تقتات بعض القنوات الفضائية على تضخيم ما لدينا من سلبيات، واعتبارها مادة مثيرة كي تفرد لها برامج وساعات طويلة في ثرثرة تافهة يتم فيه استضافة من يقال إنهم ناشطون في هذا المجال أو ذاك كي يدلوا بدلوهم في قضايانا وكأننا أطفال لا حول لنا ولا قوة.
بل أصبح بعض منا هنا ينساق لهذه الإثارات ويعتبرها مناخا صحيا لعلاج هذه السلبيات!! ننسى أن كل مجتمع هو الأعلم والأدرى بما يصلحه، وليت من يسعون لما يقال إصلاحنا أن يصلحوا مجتمعاتهم وما فيها من فساد وإفساد.
بل أصبحت هذه التدخلات سافرة وقهرية، وتحمل نوعا من التدخل في خصوصية مجتمعنا الإسلامي.
كما هي الآن من محاولات لعدم إغلاق المحل وقت الصلاة!! وإفراد تحقيقات مطولة عن الآثار الاقتصادية التي تؤثر في الاقتصاد الوطني من جراء ذلك!!وتتكرر كلمات مثل (السعودية الدولة الوحيدة التي تتوقف فيها المحلات عن البيع أثناء الصلاة)!! كإيحاءات أن ما نقوم به هو موقف منفرد لا ينبغي أن نقوم به, بل لا بد أن نكون تابعين للمجتمعات الأخرى ومقلدين لها!! ويتم أخذ الفتوى من كتاب وليس من علماء!! هذه الذبذبة في مناقشة قضايانا ألا تدل على أن هذه التغيرات التي يمر بها المجتمع تتطلب البصيرة في مناقشتها والتروي في اتخاذ أي قرارات حيالها خصوصا إذا كانت تمس الحياة السوية للأفراد ولا تشكل انهيارا أو انحرافا أخلاقيا؟
** إذا عدنا لما يقال إن هذه من تبعات عملية التحضر أو الضريبة التي تدفعها المجتمعات في مراحل تطورها واختراق المنظومة القيمية للمجتمع في ظل انفتاح إعلامي لا ضوابط له وعولمة ثقافية تخترق الحواجز وتسيطر على الجغرافيا وتضعف الارتباط بتاريخ المجتمعات، إن لم تعمل على التقليل من أهميتها واتهامها بأنها سبب التخلف والتقهقر!!
سنجد أنه مع عملية التحضر في معظم المجتمعات تنتشر أكثر جرائم الرشا والفساد الإداري لأن هناك وهنا تنظيميا في بعض المواقع الوظيفية، وعندما يحدث الوهن التنظيمي في هذه المراحل من التحولات الاجتماعية، وخصوصا في دول ما يسمى بالعالم الثالث، نجد أن إشغال بعض المواقع البنائية المؤسسية بكوادر غير متخصصة حسب متطلباتها إما للنقص أو حداثة تأسيس المؤسسات، أو عدم وجود أصحاب الخبرة الكافية لها أو أن قسما منهم موجود لكنهم لا ينسجمون مع أصحاب المواقع العليا، عندئذ يتم إشغال هذه المواقع من كوادر غبر مؤهلة. في هذا الوضع سنجد غير الكفء في الموقع والاعتماد علي هذه الكوادر لن يسهم في تحقيق الأهداف المطلوبة والمهام الجوهرية للتطور والارتقاء بمستوى الخدمات المتنوعة. هنا يظهر الفساد الإداري، ويسحب معه بقية العلل الوظيفية فتنتشر الواسطة والمحسوبية، والرشا، وهذه مخاطر تنظيمية تؤدي إلى المزيد من التعصب والتحيز وضعف الإنتاجية.
هذا بدوره يؤدي إلى أول مؤشر للوهن التنظيمي الذي بدوره يبلور مشكلات تنظيمية متسلسلة منها استقطاب عناصر غير كفؤة كي تتقبل تنفيذ التعليمات دونما تمحيص أو دراسة، فتتولد الفئات الانتهازية والوصولية داخل التنظيم أو المؤسسات الإدارية, وتظهر شرائح ـ من يطلق عليهم الدكتور معن خليل عمر أستاذ علم الاجتماع ـ الطفيلي الذي يكون نموذجا للهزيل في اختصاصه والمتحلل في التزامه الأدبي، ويظهر المرتزق الذي يكون ضعيفا في تكوينه المهني أو بعيدا عن العمل الاختصاصي الذي نصب فيه،,وغالبا صاحب الموقع غير المؤهل لا يبحث إلا عن هؤلاء، أما الوصولي فهو الذي يتمتع ببعض الصفات الاختصاصية المتساوقة مع مواصفات الموقع الذي يشغله، لكنه يتملق ويجامل شاغلي المواقع التي أعلى من موقعه كي يصعد إلى موقع أعلى يعلم أنه لا يستطيع الوصول إليه حسب السالك أو القنوات الأصولية أو القانونية, هذا النموذج كما يشرحه الدكتور معن خليل عمر، يزداد عدده عندما يكون شاغل الموقع الأعلى في المؤسسة شخصا لا تتناسب مؤهلاته لإشغال موقع عال، وهذا بدوره يؤدي إلى مزيد من الفساد الإداري، وعدم قيام المؤسسة بوظيفتها الأصلية المخصصة لها من قبل نظامها الداخلي.
مجتمعنا يمر بهذه المشكلات, ولكن تختلف حدتها بالطبع عما جاء في هذا التحليل الاجتماعي، ولكن النماذج التي ذكرت شيئا منها تدق ناقوس الحذر والخطر كي لا تستشري المفاسد أكثر وتتحول إلى معضلات يصعب القضاء عليها .
