إن طبيعة الإنسان البشرية تعتمد في مضمونها على ثلاثة محاور مهمة، وهي التي تملي على الفرد كل ما يصدر منه، وهذه المحاور الثلاثة تتألف من الركيزة العقلية أولا ثم الجانب النفسي والجانب السلوكي، ومهما اختلفت ردود الأفعال لدى الإنسان إلا أنها لا تخرج عن كونها تنطلق من أحد هذه القنوات أو كلها متفاعلة مع بعضها بعضا، ويعد شعور الإنسان بالمسؤولية هو إحدى أهم العمليات التي يحكمها الجانب الذهني، وبالتالي هي تمر إلى العالم الخارجي عبر بوابة الجانب النفسي، ما يدفع بالفرد إلى التعبير السلوكي، الأمر الذي يجعلنا نحكم من الظاهر ووفق سلوكيات معينة للأفراد عن مدى تحملهم المسؤولية من عدمها، ولكن قد لا يكون هذا مهما بدرجة كبرى عندما تكون المسؤولية الفردية تقترن بأدوار محدودة تخص الفرد نفسه أو محيطه الصغير من حوله، ولكن الكارثة الكبرى هو أن يكون للفرد دور يرتبط بالمجتمع بصورة مباشرة مثل الكتاب والأدباء والصحافيين وهم الأكثر نشرا لمعلوماتهم ربما يليهم من حيث اتساع الشريحة المتلقية أساتذة الجامعات، فالمعلمون أو ما شابه ذلك، وهذا يعني أن الفرد إجمالا يظل مسؤولا مسؤولية كاملة على أي معلومات يطلقها من حيث الصحة أو الخطأ أو معيار صلاحها من عدمه، ولعل من أتيحت لهم فرصة اعتلاء المنبر الإعلامي، سواء في الصحف أو المجلات أو الإذاعة أو التلفزيون مثلا لا بد وأن يسألوا أنفسهم ما الرسالة التي يسعى كل واحد منهم إلى تقديمها أو طرحها"؟ وقد يكون ذلك مهما جدا، لأن المنبر الإعلامي هو من أهم النقاط المؤثرة في الشعوب على اختلاف ثقافاتها حتى لو اتحدت الموضوعات المطروحة أحيانا لدى الإعلاميين على اختلاف مسمياتهم ومهامهم، إلا أن هناك رسائل كثيرة تقرأ فيما بين السطور، وتبث الأفكار بصورة أو بأخرى عن "ماذا يريد أن يقول" فالكاتب على سبيل المثال يجب أن يحدد توجهاته تلك التوجهات التي تتضح كبصمة راسخة على مقالاته، وبالتالي تأتي المقالات متوجة بتلك الأفكار ولكن السؤال هنا: هل يتم الربط الحقيقي من قبل هؤلاء الأفراد بين تلك الأفكار الشخصية والتوجهات الذاتية وبين الرسالة الإعلامية الحقيقية أم أن بعض الكتاب يرى أنه لا بد وأن يبث أفكاره، وأن يدافع عنها ويتبناها لو كانت تحمل كل الدمار والفساد للمجتمع؟! أعتقد أنه خاصة في البداية ليس من السهل على الفرد أن يحدد رسالته الإعلامية، ولكنه وقبل أن يمسك بقلمه لا بد، وأن يعرف بالضبط بأي اتجاه، وما هو أبعد حد يمكن أن يصل إليه صوته، بل والأهم كيف ستؤثر هذه الأفكار فيمن يقرأها!! البعض من الكتاب يعتقد أن عملية الكتابة هي مجرد عملية تفريغ ذاتي له هو فقط و لدوافعه المكبوتة وعقده النفسية، ويسرد ذلك وفق قناعته التي تشير إلى أن "على الآخرين قراءة تلك الأفكار وتشربها أينما اتجهت بهم!!"، ولكن هذه القناعة تبطل حقيقة مفعول الرسالة الإعلامية التي من أهم أهدافها الارتقاء بالمجتمع، وليس تتبع ثغراته وتنبيش بقع التعفن بحجة الإصلاح، وحتى لو كان شعار الإصلاح الاجتماعي كمثال موحد بين آلاف الكتاب إلا أن الأسلوب المنتهج في الطرح يشعر القارئ عما إذا كان الهدف فعلا إصلاحيا بفكرة إيجابية وبناءة أم أن ظاهره الخارجي هو التعديل والبناء، ولكن فحواه "نشر غسيل" وتعميم الفساد، هنا يجب أن يسأل الكاتب نفسه!! ولكن الإعلام حتى لو كان يطرح العديد من القضايا والمشكلات والعيوب الاجتماعية كأحداث واقعية في الحياة إلا أن رسالة الكاتب في النهاية لا بد وأن تصنع فكرا إيجابيا فعالا لأفراد المجتمع وتساعدهم على الارتقاء مهما كانت درجة التلوث على أرض الواقع وإلا فلنتساءل إذاً ما الفائدة من الإعلام إن كان لا يعمل على بناء الفكر البشري عبر مختلف المجتمعات!
